أنت قاعد في بيتك.. بتتفرج على أي برنامج خفيف.. بتبص لقيت حد بيطفي النور.. و بتلاقي أعز حبايبك.. بنتك.. ابنك.. داخل عليك بنظرة ثابتة مروعة.. كلها حقد وغل وشر.. وماسك في إيده سكينة..
بيقولك في آلية وجمود إنه مايعرفكش.. وإنك كافر، والأرض لازم تتطهر من أمثالك.. وإنه قرر يتخلص منك حالًا.. وبينقض عليك بسلاحه في الظلام، و يكمم فمك بإيده عشان يكتم صراخك، و بيبدأ في ذبحك...
بتحس بالنصل بيتحرك على رقبتك.. وبتشوف دمك بيطرطش على وشه، وهو بيبص لك بكراهية.. قبل ما الدنيا تضلم في عينيك.. وتغيب عن الوجود..
صورة مرعبة مخيفة أقرب للخيال.. بس للأسف الشديد حصلت في الواقع فعلًا.. لشباب انضموا لجماعات إرهابية.. و قتلوا أبويهم أو أشقائهم بدم بارد بلا ذرة تردد..
لسه مع رجل المخابرات الأمريكي"هنتر" اللي وقف حائرًا بين المعطيات والنتيجة اللي وصلها وقرر يطلق لأول مرة مصطلح "غسيل الدماغ".. المصطلح اللي النهاردة تقريبًا بلا قيمة، و بيستخدم علي سبيل السخرية، بالرغم من إنه بيشير لواحدة من أخطر طرق السيطرة العقلية في التاريخ..
بيفكر "هنتر" في طرق غسيل الدماغ.. ازاي بتتم؟ بالتعذيب؟ دا بيحصل بالفعل..بتعذب شخص، وتصهره في جحيم الذل والمهانة لحد ما تكسره، وبعدين بتعيد تشكيله..
الطريقة دي عرضها "جورج أورويل George Orwell" في روايته المسماة "1984".. لأنه من مواليد 1903، فاتصور إن المستقبل عام 1984 حيكون مرعب.. حرب دمرت دول العالم ماعدا بريطانيا.. اللي بتحكم العالم كله عن طريق نظام حكم شمولي.. و شرطة افكار.. و أقبية تعذيب..
حكم للعالم من حزب منفرد..
الحزب دا بيترأسه "الأخ الأكبر".. الي محدش عارفه و لا شافه من أول القصة لآخرها، وفي الغالب هو مالوش وجود أصلا.. دا لقب اخترعه قادة الحزب..
الحزب دا بيحارب الفردية و الإستقلال و التفكير، أيا كان سببه أو نوعه.. لدرجة إنهم لو أعلنولك - ودا بيحصل في القصة فعلا - إن 2 + 2 = 5؛ فممنوع تعترض..
و في عامل ماهر اسمه "سميث".. بيبدأ يفكر.. فبيتقبض عليه من شرطة الأفكار.. وبيتعرض لتعذيب رهيب.. بعده بيعاد تعليمه.. وبيلاقي نفسه مطيع و قمور وغارق في حب "الأخ الأكبر"..
بتنتهي القصة هنا، والحقيقة هي إنها طريقة ممكنة.. لكن مش مضمونة.. و ليها خسائر.. أولًا، فكرة إنك تعذب جنود دي واهية شوية.. لأنهم محترفين مدربين و حينهكوك و يكلفوك و يستحملوا لآخر مدى تتخيله..
بعدما يوصلوا بيك للمدى دا حيبدأوا يخدعوك.. دا جزء من تدريبهم.. ثانيا؛ بيبقوا في الحقيقة شايفين تحملهم للتعذيب من العدو شرف.. و أخيرا.. ممكن الطريقة دي تؤدي لموت الضحية.. و تبقى ضيعت وقت وجهد بلا طائل..
إذن طريقة التعذيب لغسل الدماغ ممكنة.. لكن مش فعالة تماما..
في طريقة أكثر فعالية..
الجدل والإقناع..
معركة الكلمة والمعتقد..
والحقيقة إن أهمية الطريقة دي مابرزتش مع أبحاث "هنتر"..
دي طريقة قديمة جدًا..
طريقة عمرها من عمر الإنسان نفسه..
ففي العهد القديم، سفر الخروج، موسى ﷺ بيدعو الرب إنه يعفيه من مناقشة عدوه لأن "إني بطيء الكلام ولساني ثقيل".. وربنا بيرد عليه "أليس هارون اللاوي أخاك؟ أعلم إنه يتحدث بصورة جيدة، و سيكون متحدثك إلي الناس"..
في نفس السياق في القرآن الكريم، بيطلب موسى من الرب في سورة القصص إنه يرسل معاه "هارون" لأنه "فصيح اللسان".. "وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فارسله معي ردءًا يصدقني إني اخاف أن يكذبون"..
مش بشن حرب وأسر وتعذيب.. لا..
بالمناقشة والإقناع..
وفي الكتاب المقدس إشارة مماثلة، لأهمية الحوار، لما سيدنا إبراهيم، بيبدأ يجادل الرب حول مصير مدينة سدوم.. بلدة سيدنا لوط، عليهم الصلاة والسلام.. والرب بيقول له إن المدينة ممكن تنجو من الدمار بشرط وحيد..
إنه يلاقي فيها عشر رجال صالحين..
للأسف ما بيكونش في غير سيدنا "لوط" في القصة دي كرجل صالح وحيد.. القصة تشابهت إلي حد كبير مع القصة القرآنية وجدل إبراهيم مع الملائكة اللي حملوا البشارة الرهيبة لفنائها: "قال إن فيها لوطًا، قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين"..
الحجة.. الحوار.. الإقناع.. و - كمان مرة - معركة الكلمة والمعتقد..
"هنتر" استشهد بالآيات المقدسة دي في كتابه، وانتقل منها إلي آلاف القبائل والإمبراطوريات؛ اللي أرسلت رسل لبعضها البعض، و حملت رسائل لبعضها البعض من خلالهم.. ومدت جسور حوار سبق أي حرب..
والواقع إن "غسيل الدماغ" مصطلح مش ممكن تفصله عن الحرب أو السياسة..
لعبة السيطرة على العقول، و بالتالي.. السيطرة على الأمم..
هنا بتظهر أول واحدة من خصائص عملية غسيل الدماغ بالإقناع..
إنها "متعمدة"..
محدش بيغسل دماغ حد من غير ما يقصد.. دا لازم يكون فاهم بيعمل ايه كويس أوي..
لازم كمان يكون الشخص اللي بيمارس العملية دي ذكي.. فبيبدأ ممارستها ببطء وروية.. و بالتدريج بذكاء شديد للغاية..
مثلا عشان يخليك متعصب لجماعة دينية معينة.. فهو الأول لازم يغسل دماغك و يخليك متعصب لشيء أقل أهمية..
زي فريق كرة قدم..
بيغسل مخك ويخليك متعصب بجنون.. و يزرع جواك فكرة إن تعصبك دا هو الرأي الأوحد الصحيح.. ماعندكش أي استعداد تتناقش في الموضوع دا.. حاتعمل ايه؟ "حتردد كلام متكرر آلي خالي من المنطق كأنه مسجل على أسطوانة".. لدرجة إنك ممكن تفرح لو لاعب خصم أصيب وضاع مستقبله.. أو حتى مات..
هو كده نجح.. دي البداية.. مخك اتغسل في موضوع و بقى قابل للعملية الشاملة..
طبعا هو بيبتدي بحاجة تافهة.. مش بحاجة قوية.. لأنه مش حيثير اهتمام حد أوي انك تبقى متعصب لفريق كورة.. بالعكس ممكن تلاقي حد بيقولك بمنتهى الفخر "ابني أهلاوي/ زملكاوي متعصب"..!
بس ابنك بقى متخلف يا حاج.. ودفاعاته العقلية انهارت.. و اتغسل دماغه و بالتالي اتزرع فيها التعصب.. اللي بيرفضه أي عقل سوي سليم غير مريض.. و بدأت رحلته إن دماغه يتغسل بالكامل في أمور أكثر أهمية وخطورة..
رجل المخابرات "هنتر" بيقول لنا:
"الفكرة هنا هي تغيير العقل تماما.. بحيث يصبح صاحبه زي الإنسان الآلي في موضوع معين.. تبرمجه باللي انت عايزه، من غير ما يشعر بيك و لا بدوافعك الشريرة دي.. و يبقى لعبة في إيدك.. كتلة لحم ودم بتزرع جواها المعتقدات اللي انت عايزها وتحط طريقة تفكير جديدة في جسد أصبح أسير لك.. و تحت أمرك بالكامل"..
"هنتر" بيكمل:
"الفكرة إنه يقدر ينشيء جيش جديد من العبيد.. يحارب بيهم.. بس غير عبيد زمان اللي كانوا بيهربوا و يعترضوا.. دول عبيد مايعرفوش غير السمع والطاعة"..
بتفكرك قصة "يحارب بيهم" دي بالحروب بالوكالة؟ طيب بتفكرك فكرة "السمع والطاعة" دي بجماعات إرهابية زي الإخوان؟
طيب.. إحنا كنا اتكلمنا عن إن عدوك بيبدأ يغسل مخك و يزرع جواك تفاهات بسيطة..
هو ليه بيبدأ بالتفاهات دي؟ لما ممكن يزرع في عقلك فكرته الرئيسية على طول؟
دا لأن خبراء غسيل الدماغ اتعلموا من أخطائهم.. ومن التجربة اللي حصلت في قضية "باتريشيا هيرست Patricia Campbell Hearst" - اللي في الصورة دي - حفيدة تايكون الإعلام الأمريكي "ويليام هيرست William Randolph Hearst".. اللي كان ليها قصة عجيبة في الولايات المتحدة سنة 1974..
بص في الصورة كويس وشوف "عيون باتريشيا" الميتة ونظراتها الجامدة.. و افتكر أول مشهد بدأنا بيه كلامنا...
قصة "باتريشيا" أقلقت رجال الأمن والعلماء للغاية، بسبب الي حصل خلالها وبعدها.. وورتهم نموذج عملي أكثر رعبًا لغسيل الدماغ، من نموذج أسرى الحرب الكورية..
بس دا نكمل كلامنا عنه لاحقًا، و يبقى للحديث بقية..
----------
مراجع:
----------
1 - منشورات سابقة:
https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2006299959382753
2 - Edward Hunter: Brainwashing: The Story of Men Who Defied It.
3 - Brainwash: The Secret History of Mind Control - Dominic Streatfeild.