كانت فكرة رجال المخابرات المصريين، اللي نفذوها، لإحضار تصميم دبابة العصر.. العربات الحربية.. معتمدة على فرع من أفرع الجيش.

قسم عسكري مصري آخر عتيق، يعتبر بلا منازع هو أول أجهزة الاستخبارات في التاريخ. قسم المخابرات الحربية والاستطلاع.

وكان دور رجال الاستطلاع قديمًا محصور في استطلاع تحركات العدو ورصدها، ثم لم يلبث أن تطور عشان يتحول إلى وحدة عمليات خاصة، رجالها مبتأديش دورها في الاستطلاع وحسب، بل ممكن يتسللوا إلى ما خلف خطوط العدو، وينفذوا عمليات، أو يشتبكوا مع طلائع جيوش الأعداء، كرجال الكوماندوز في عصرنا.

وتلقف رجال الاستطلاع والعمليات الخاصة المهمة.. وبدأ العمل.

وكانت الاشتباكات مش بتتوقف مع الهكسوس، ودا دفع الرجال للتحرك في سرعة، فتقدموا بالقرب من "أمبوس".. لكن الهكسوس هجموا عليهم بغتة بالعربات الحربية الثقيلة.

معندناش تفاصيل بالضبط للمعركة دي.. لكن بتنتهي بانسحاب قوة الاستطلاع المصرية من دون أن تحصل على تصميم العربات الحربية، لكن بتحصل على شيء آخر.. أكثر أهمية وخطورة.

ووصلت للملك "أحمس" رسالة قصيرة حفظها لنا التاريخ بنصها.

رسالة مقتضبة تقول:

"أسرت عربة حربية من أجل الملك".

الرجال أسروا عربة كاملة سليمة، لم يصبها خدش واحد، ورجعوا بيها.. عشان يتلقفها المهندسين والخبراء العسكريين في اهتمام.. ويبدأوا في دراستها تحت إشراف "أحمس" شخصيًا.

وظهرت أول عربة حربية مصرية للوجود.

لكن كان في مشكلة أخرى.

السلاح دا.. دبابة العصر دي.. أول مرة تقع في إيدينا، ولو على استخدامها فالهكسوس خبراء فيها، وعندهم نقطة تفوق.. فكان من الضروري، أن العجلة دي تحمل خاصية جديدة، مش موجودة في عربات الهكسوس الحربية.

وبدأت خطة التطوير تشمل جميع الأفرع العسكرية، وراح سلاح المهندسين يعمل بلا كلل.. ولأول مرة، اتزودت رؤوس السهام بقطع من الفولاذ بدل الخشب، وتم استبدال أوتار القسي، عشان تبقى أقوى وتطلق السهام زي الرصاص، فتخترق دروع البرونز.

وكانت التعديلات دي محتاجة إن الجنود تتدرب عليها، وهو ما تم بالفعل، وفضلت الدبابة.. العربية الحربية هي المعضلة.. والمهندسين والخبراء العسكريين بيبحثوا التعديل اللازم.. اللي ممكن يمنحها ميزة عن عربات الهكسوس.

وفي العام 1583 قبل ميلاد المسيح، كان بيتقدم شاب عمره 20 سنة، اسمه "أحمس"، على رأس جيش، نحو عاصمة الهكسوس، على أراضي محافظة "الشرقية" النهاردة، واللي كانت محتلة وقتها.

وكان "أحمس" للمرة الأولى، بيقود عربة حربية.

عربة بدت مختلفة اختلاف طفيف في تصميمها، لكن شبه عربات الهكسوس بشكل عام.

وبدأ الهكسوس يستعدوا للمعركة، ووسط الغبار والعرق وصوت طبول الحرب، بيلتحم الجيشان.

وبيفهم الهكسوس متأخرًا جدًا، التطوير اللي اتعمل علي العربة الحربية المصرية. تطوير بسيط للغاية، لكنه عبقري مبهر.

مهندسي الجيش في مصر القديمة قاموا بتخفيف وزن العربة، بدون أن تخسر تدريعها القوي. ومنحوها قاعدة أعرض بعض الشيء للاتزان.. وحسب.

فكرة تبدو بسيطة ومش خطيرة، لكن في ميدان المعركة كان الفارق الرهيب واضحًا.

دا لأن "السرعة" في ذاتها.. عنصر تفوق.

وانطلقت الدبابات المصرية تقاتل وتناور كفهود سريعة على عجلات، وبدت العربات الحربية الهكسوسية جوارها كسلاحف ثقيلة، تجر نفسها جرًا.

وانهزم الهكسوس للمرة الأولى هزيمة نكراء مروعة، حتى أنهم فروا من عاصمتهم "أواريس" - صان الحجر بالشرقية - إلى الدلتا.

ومع دخول عاصمتهم، أمر "أحمس" بتدمير كل حجر وضعه الهكسوس، وظل يقوم بذلك ويمحي آثارهم في كل مدينة يطاردهم فيها، حتى فروا في النهاية إلى فلسطين، وتحصنوا بحصن "شاروهين" المنيع في غزة.. فضرب عليهم حصار طويل، لحد ما استسلموا واقتحمه عام 1580 قبل الميلاد.

ودي كانت نهاية الهكسوس من على وجه البسيطة، ومظهروش بعد كده في التاريخ مطلقًا مرة ثانية.

ومع قفزة هائلة بنوصل للعام 1336 ق.م.. لـ"اخناتون".. اللي كان بعيد عن الحياة العسكرية، أقرب لفيلسوف، سارح في ملكوت الأديان، وكل ما يفعله هو احتفال أو مهرجان ديني من آن لآخر، فبدأت البلاد تضربها الفوضى، وتراجعت أهمية رجال الاستخبارات للدرجة القصوى، وعليه وبسبب سياساته المتخاذلة.. بدأت مصر تفقد اراضيها في آسيا.

وراح حكام المدن التابعين للدولة المصرية يراسلون "إخناتون" طلبًا للنجدة من الغزاة، أو يطلبوا أنه يمدهم بجند أو ذهب.. دون جدوى. الرسائل دي حفظها التاريخ باسم "رسائل تل العمارنة".

وفقدت مصر اللي كانت حدودها ممتدة إلى قلب آسيا مساحات شاسعة من الأراضي.

والغريب وكأن التاريخ بيعيد نفسه، أن الغزاة اللي دخلوا يحتلوا أراضي الشام التابعة للدولة المصرية دول، كانوا من الأناضول!

قوم اسمهم "الحيثيون Hittites".. سعوا للتمدد والتوسع ونهب خيرات الشعوب عن طريق الغزو.

وبعد سنوات طالت.. نجح "سيتي الأول Seti I" أن يرجع نفوذ الدولة المصرية لحد قادش في سوريا.. وبيعقد مع الحيثيين معاهدة، بيقروا بيها بسيادته على الأراضي دي، شاملة مدينة قادش.

وبعدين بيجي "رمسيس الثاني"، ابن "سيتي الأول".. وبيتجاهل المعاهدة تمامًا.. وبيقرر يسترد كل الأراضي اللي كانت تابعة للدولة المصرية بالقوة.

وبيتقدم "رمسيس " بالفعل على رأس أربع فيالق ضخمة من الجيش، فيلق "آمون"، وفيلق "رع"، وفيلق "بتاح"، وفيلق "ست".. وبيعسكر في قادش، وهناك، بيدخل عليه اتنين من البدو، بيزعموا أنهم هاربين من جيش الحيثيين، وبيطلبوا حمايته.. وبيخبروه أن العدو معسكر في حلب.

بيصدق "رمسيس" وبينهض وبيتحرك في حماس غير مدروس، إلى شمال قادش، وبيعسكر، وينتظر بقية الجيش يحصله.

لكن في التوقيت دا بالذات، بيقبض رجال الاستطلاع المصريين، على مجموعة من جنود الاستطلاع الحيثيين.. وبعد استجوابهم.. بيتضح أن البدو دول مجرد جواسيس، ومعلوماتهم مزيفة، وماهي إلا خدعة استخباراتية.. وإن الجيش الحيثي متمركز بالكامل في قادش.. ومحضر لـ"رمسيس" كمين قاتل.

وهجم الحيثيون على "رمسيس" هجوم مباغت، ودمروا فيلق رع تدمير تام.. وقطعوا الطريق بينه وبين بقية فيالق الجيش، فتقدم رجال الاستطلاع في عملية انتحارية، وعبروا جيش الحيثيين، ودرسوا الأرض جيدًا، ثم عادوا إلى "رمسيس" بمعلومات عن ممر ضيق، يمكن من خلاله تطويق الحيثيين وانتظار بقية الجيش.

وبينفذ رمسيس الخطة بالفعل.. وبينجح فيها، وبتضم عليه بقية قواته، وبيرفع الحيثيون الراية البيضاء.. وينتصر.

العمليات الاستخباراتية دي تختلف قطعًا عن العملية اللي تسببت لاحقًا بعد قرون في سقوط إسبرطة الإغريقية أو الإسكندرية المصرية.. ودول نتكلم عنها مع عمليات أخرى لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

--------

- المنشور السابق أول تعليق.

#عمليات_مخابراتية_غيرت_تاريخ_العالم2