سافر "سيدني رايلي" الجاسوس الثقيل، "جيمس بوند" عصره، للدولة العثمانية تم عن طريق ألمانيا.. الأول انتقل إلى ألمانيا بأنه سافر إلى فرنسا.. ومن فرنسا سافر إلى ألمانيا بشكل طبيعي، بجواز سفر إنجليزي مزيف.

ومن ألمانيا دبر له الإنجليز طائرة خاصة، حلقت به إلى حدود الدولة العثمانية، وهناك، قفز بالباراشوت، وتوجه على الفور إلى مخبأ خاص، استراح فيه، وبدل ملابسه بملابس ضابط ألماني، وبعدين بدأ عمله على الفور.

وأتم "سيدني" عمله على أكمل وجه.. فلم يمر أسبوع واحد، إلا وكان في أحضان زوجة قائد الجيش الرابع العثماني "جمال باشا Jamal Pasha".. في فراش هذا الأخير.. ويبدو أنهم كانوا زوجين مخلصين فعلًا.. لأنه في نفس الوقت.. كان "جمال باشا" في غزة، في أحضان الجاسوسة الإنجليزية، " سارة آرونسون Sarah Aaronsohn" في فلسطين.

ومن زوجة "جمال باشا" حصل "سيدني" على بعض تحركات هذه الأخير، والكثير من الأسرار النافعة، وبعدين انتقل من أحضانها، إلى أحضان السيدة "خيرية طلعت Hayriye Talat"، زوجة "طلعت باشا Talaat Pasha".. كذلك على فراش هذا الأخير، أثناء تواجده في برلين.. وجمع من بين شفتيها كذلك عشرات الأسرار التي عرفتها من زوجها.

الاتنين دول كانوا من أخطر القادة العثمانيين وقتها.. بالذات "طلعت".. كان واحد من ثلاثة، بيحكموا الدولة العثمانية بحكم الواقع فعليًا وقتئذ.

وفجأة، بتيجي لـ"سيدني" التعليمات الجديدة، فبيختفي من الدولة العثمانية وينشط في قلب ألمانيا، وبيجيب معلومات خطيرة للغاية، بتأكد معلومات "سارة" عشيقة "جمال باشا" حول السلاح الكيماوي اللي بتصدره ألمانيا للدولة العثمانية.

بعدها بتوصله تعليمات بالسفر لروسيا، فبيسافر ويتواصل مع صديق قديم له اسمه "ألكسندر جراماتيكوف Alexander Grammatikov" في أول إبريل من العام 1918.. و"الكسندر" دا كان كلّجي روسي.. بيحاول إسقاط الدولة وقتئذ باي ثمن.. فبيجنده "سيدني".. وبيفتح له "ألكسندر" شقة واحدة من قريباته يستخبى فيها عشان يباشر انشطته في التجسس.

وبتوصل لـ"سيدني" التعليمات من إنجلترا، في وسط مشاكل الثورة الروسية، باغتيال "لينين"، وإلصاق الأمر بأنصار القيصر، عشان تشتعل الأمور أكثر وتغرق روسيا في مستنقع الحرب الأهلية أكثر وأكثر.

بيبدأ "سيدني" يحط خطة.. وبيتواصل مع جنرال اسمه "بوريس سافينكوف Boris Savinkov".. دا كان "هشام عشماوي" الروسي.. وانقلب على الدولة الروسية منذ بداية ثورة أكتوبر، في 1917.

بيدرس "سيدني" الأمر بدقة، وبعدين بيحط خطة، كان كون شبكة في روسيا، فيها مجموعة من الجواسيس، منهم "سافينكوف Savinkov" و"لوكهارت Lokhart".. وحبيبة روسية جديدة.. ارتبط معاها بعلاقة عاطفية.. اسمها "يلزفيتا أوتن Yelizaveta Otten".

عن طريق الشبكة دي بيجند فتاة ثورية، من أصول يهوديـة، اسمها "فاني كابلان Fanny Kaplan".. وكذلك في أحضان "سيدني".. بتوافق الفتاة الهائمة حبًا على اغتيال "لينين".

وفي 30 أغسطس، سنة 1918.. كان "لينين" بيخطب في العمال في جنوب روسيا، ولما انتهى من خطبته وأثناء توجهه لسيارته وسط حراسه الشخصيين، نادته "فاني" المتنكرة في شكل عاملة بسيطة.. ولما منعها الحرس، أشارت له بورقة وكأنها تريد تقديم عريضة تظلم.

طبعًا مينفعش وسط كل العمال دول وخزعبلات المطرقة والمنجل وكلنا رفاق وزي بعض، "لينين" يعامل عاملة بسيطة بطريقة فيها أي تعالي أو تكبر، فبيأمرهم يفسحوا لها الطريق، فبتقترب منه.. وتنتزع من ثوبها مسدس، وبتطلق عليه ثلاثة رصاصات، واحدة بتخترق معطفه فقط.. وواحدة بتخترق رقبته، والثالثة بتستقر في رئته.

بيتقبض عليها وبيهربوا بـ"لينين" ويشرعوا في علاجه.. وبالفعل بينجو. اللافت للنظر أن السيدات اللي كان "سيدني" بيوقع" بهن، مكانتش بتبقى علاقة عابرة، دول كانوا بيحبوه فعلًا.. لأن "فاني كابلان" بترفض تذكر للسلطات أي شيء عنه، وبتعترف أن دا كان قرارها وتصرفها منفردة.. وبتتقبل عقوبة الإعدام بصدر رحب، لقاء أنها تحمي "سيدني رايلي".

لم يهتم "سيدني" مطلقًا بالقصة دي.. لأنه كان مشغول، بيدبر لانقلاب على الحكومة الروسية بمعاونة باقي أفراد الشبكة. لكن لسوء حظه الإنقلاب بيفشل، وبيتقبض على الضباط الضالعين فيه، اللي بيشيروا لاسمين.. "لوكهارت" و"يلزفيتا أوتن".

السلطات الروسية بتقبض على "لوكهارت".. وبتستجوبه، لكن مابيعترفش.. فبياخدوه للزنزانة لمواجهة "فاني كابلان".. لكن "كابلان" بتمثل أنها ماتعرفوش أبدًا.. وبترفض تمامًا تنطق بحرف واحد.. ممكن يدين "سيدني"، فالسلطات الروسية بتتقرر تعمل شيء آخر أفضل.

بتدفع لها في الزنزانة بحبيبة "سيدني" الروسية.. وبيتواجه المرأتين اللي بيحبوا رجل واحد.. وبتعرف كل واحدة إنها كانت بتحب نفس الرجل وأنه أقام معاها علاقة في نفس وقت علاقته بالأخرى.. وبتتطور المواجهة.. وبتبقى خناقة شرسة زي صراع قطتين مسعورتين، بيسحبوا عن إثرها "يلزفيتا" من الزنزانة وهي حالفة بأغلظ الإيمان أنها تودي "سيدني" المجرم الخاين اللي مابيطمرش فيه في ستميت داهية...

وعليه، بتوقع ""يلزفيتا" المكلومة اعتراف كامل.. بيتحققوا منه وبيلاقوا العناوين والأسماء كلها حقيقية.. وبيقبضوا على عملاء معاهم معلومات مكتوبة بخط "سيدني" بالفعل.. وبعد اعترافها، بتتخفف عقوبتها من الإعدام.. إلى السجن لخمس سنوات فحسب.. وبتتعدم "فاني كابلان" رميًا بالرصاص.

ومع اعتراف ""يلزفيتا" كان اسم "سيدني" وصورته متصدرين الصحف الروسية في اليوم التالي كمتهم رئيسي.. وبيبحث عنه كل رجل أمن روسي. بس الحقيقة محدش بيلاقيه.. كان عبر الحدود وسافر إلى برلين.. وبتأمره المخابرات الإنجليزية أنه يهمد ويهدأ قليلًا.. ويعيش حياة عادية.

وهناك في برلين.. بيلتقي بحب عمره، الممثلة الشقراء "بيبيتا Pepita Bobadilla".. وبيقضي معاها أسعد أيام حياته، وبيتجوزها بالفعل في العام 1923.

وفجأة بترد للمخابرات الإنجليزية رسالة من "لوكهارت".. أنه هرب مع بعض من رفاقه، وبيكونوا الشبكة من جديد.. وأنهم تحصلوا على معلومات نافعة للغاية حول الاتحاد السوفيتي الوليد اللي لسه متكون حديثًا، في العام 1922.. بيرسلوا كل المعلومات دي للأنجليز.. وبتتحقق إنجلترا من المعلومات وبتلاقيها دقيقة بالفعل.. ولعامين كاملين.. بتفضل الشبكة تزود إنجلترا بالمعلومات الاستخباراتية.. لحد ما بتطمئن لندن تمامًا.. فبتأمر "سيدني" يخرج عن كمونه، وينطلق متنكرًا إلى روسيا للقاء أعضاء الشبكة في العام 1925.

وبيسافر "سيدني رايلي" بالفعل ينفذ المهمة. وبينطلق إلى باريس.. وهناك بيلتقي بعميل فنلندي من اعضاء الشبكة، بيصطحبه من باريس إلى روسيا.

بيسافر "سيدني".. بس مابيرجعش أبدًا.

القصة كانت خدعة مخابراتية من السوفيت.. خدعوا بيها الانجليز طوال عامين.. عشان يعيدوا إرسال "سيدني" إلى روسيا.. ودا اللي حصل بالفعل.. واتفاجيء "سيدني" لدى وصوله برجال مكتب مكافحة التجسس السوفيت بيطبقوا عليه.. ويقتادوه لمقرهم.

وبيبدأ استجواب "سيدني رايلي".. وبيفاجأ السوفيت بخمسميت قصة وحكاية وفيلم بيقولهم.. وكلهم موثقين ولهم أدلة، وكلهم عكس بعض.. وبيحتاروا معاه، وبعدين بيجن جنونهم.. لما بيكتشفوا في زنزانته، أنه كتب على اوراق البفرة اللي بيلف فيها التبغ، في دفتر صغير، معلومات دقيقة انتزعها هو منهم اثناء التحقيق دون أن يشعروا، مع معلومات كاملة حول طرقهم في الاستجواب وأسماء ضباط المخابرات اللي بيستجوبوه ورتبهم.. عشان يرسلها للمخابرات الإنجليزية، لما يهرب من السجن!

وبيقرر السوفيت إعدام "سيدني رايلي" في نوفمبر، سنة 1925.. وبيصطحبه رجال المخابرات السوفيت، مع وحدة من الشرطة السرية وكتيبة من الجيش، إلى غابة على مشارف موسكو، وبيطلقوا عليه النار، ويرجعوا به للسجن، وبيصوروه ويكفنوه.. وبيدفنوا جثته في قبر بلا شاهد أو اسم.

وبتنتهي أسطورة "سيدني رايلي" ويتنهد الجميع في راحة.

لكن فجأة بترد معلومات للسوفيت.. أن "سيدني رايلي" مختبيء في منزل في أوكرانيا، على الحدود، وبيحيا حياة عادية كتاجر عاديات. فبينطلق رجال الاستخبارات الروسية ينبشوا قبره.. عشان تواجههم مفاجأة سوداء غير سارة.

أن القبر خالي مفيهوش أي جثة أو بقايا.

بينطلقوا للمنزل المزعوم دا، فبيلاقوا صاحبه غادره فجأة على عجل، وكأنه مطارد بشكل ما، لدرجة أنه مأخدش معظم متعلقاته.. بس ماسابش وراه في الوقت نفسه، أي شيء يدل على هويته.

اعتقد السوفيت أنها لعبة من الإنجليز.. لكن فجأة.. وردتهم صورة التقطها أحد العملاء لرجل يبدو شديد الشبه بـ"سيدني رايلي" ، في مقهى في فرنسا.

وفجأة كذلك، بتثار فضيحة لجريدة الدايلي ميل البريطانية، بعدما نشرت وثيقة مزورة، اسمها "فضيحة رسالة زينوفايف Zinoviev letter" ودي كانت المفروض رسالة موجهة من "جريجوري زينوفايف" رئيس منظمة الشيوعية الدولية في موسكو، إلى حزب بريطانيا الشيوعي.. يأمره بالقيام بأنشطة تثير الفتنة.

والغريب أن رئيس الدايلي ميل وقتها قال أن اللي قدم له الرسالة كان "سيدني رايلي" بنفسه.

وبعدين بتتدخل زوحته "بيبيتا".. وبتقول أن "رايلي" زارها بالفعل، وقضى معها بعض الوقت، وغادر، وبقى بيزورها من وقت إلى آخر، لحد ما انقطعت اخباره واختفي في العام 1932.. بعد إعدامه بأكثر من ست سنوات.

محدش عارف "سيدني" راح فين.. في شائعات قوية بتتردد.. أن السوفيت قبضوا علي مرة ثانية حي بالفعل.. والمرة دي.. عينوه مستشار للمخابرات السوفيتية.. لكن محدش عارف الحقيقة بالضبط في الشق دا.

"سيدني" مكانش مصدر إلهام لشخصية "جيمس بوند" لوحده.. كان في أيضًا "كونراد أوبريان Conrad O'Brien" وغيره.. ودول نتكلم عنهم لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

-------------------------

المنشورات السابقة أول تعليق.