مع بداية فيلم "العودة للمستقبل Back to the future" بيبدو لنا البطل "مارتي ماكفلاي Marty McFly " الموسيقار المراهق و هو بيحيا حياة بائسة.. أبوه خاضع ذليل لمديره المجنون "بيف تانين Biff Tannen" و أمه بدينة مريضة يائسة مدمنة كحول.. لكن مارتي بيقابل مفاجأة بتغير له حياته بالكامل..
ففي السادس و العشرين من أكتوبر سنة 1985، بيلتقي بصديقه العالم العبقري الدكتور "إيميت براون Dr. Emmett Brown" اللي بيكشف له عن آلة زمن صنعها، على شكل سيارة قديمة.. و لما سأله عن الوقود المستخدم.. اتضح إنه بلوتونيوم مشع.. احتال العالم على إرهابيين.. ووعدهم أن يصنع لهم قنبلة نووية.. ثم استولى على البلوتونيوم لعمل الوقود اللازم لآلة الزمن..
و قرر العالم و الموسيقي الشاب تجربة الآلة بإرسال كلب الأول الذي اسماه "آينشتاين" دقيقة واحدة في المستقبل.. لكن فجأة يظهر الإرهابيون.. و يطلقون النار على البروفسيور الذي يخر صريعا.. و في غمرة هلعه.. يستقل مارتي السيارة و ينطلق بها.. و دون قصد يصل إلي السرعة المطلوبة.. 88 ميل في الساعة.. و هو يحاول الهرب..
و يجد مارتي نفسه فجأة في الماضي..
و بالتحديد في مزرعة جده أبو والدته.. و يجدها فرصة لتغيير حياة أسرته بأكلمها عن طريق إصلاح كل ما فيها من أخطاء.. و يسعى للقاء البروفسيور صانع آلة الزمن في شبابه.. و إقناعه بالأمر.. ليساعده في العودة إلي زمنه.. و هي ذات الجزئية المقتبسة في فيلم "سمير و بهير و زهير".. و تتوالى الأحداث على مدار 4 أجزاء رائعة..
و الجزء الأخير مع النسبية.. اللي ما سبق و ناقشناه فيها موجود في أول مرجع.. للي يحب يراجعه..
فجر آينشتاين مصطلح "الزمكان" في نظريته النسبية.. و كان السفر عبر الزمان والمكان مجرد حلم مستحيل وخيال جامح غير منطقي...
بس آينشتاين وضع امامنا معلومة علمية جديدة مثيرة للغاية.. واطلق عليها اسم "تمدد الزمن"..
وفي نظرية "اينشتيان" نلاقي انه لو سافر رائد فضاء في مركبة تنطلق بسرعة الضوء الى نجم يبعد عنا سنة ضوئية واحدة ثم عاد الى الأرض فسيجد ان العامين اللي قضاهم في رحلته السودا دي.. بقوا نصف قرن في زمن الأرض ..
وبمعنى أوضح لو رائد الفضاء دا عنده بنت عندها 15 سنة ، فضلت على الأرض وودعت أبوها.. حايرجع بعد السنة اللي سافرها يلاقيها عندها 65 سنة...
والتفسير الذي وضعته نظرية (اينشتين) لدا.. هو ان عقارب الساعة بترتبط بالزمن الذي تنطلق به سفينة الفضاء.. يعني بتتحرك بالسرعة نفسها ، في حين ان الساعة الثابتة على الارض.. متوافقة مع سرعة دورانها حول نفسها وحول الشمس فحسب...
فيبقي رائد الفضاء مر عليه سنه.. ماعجزش أكتر من سنة.. و بنته زاد عمرها 50 سنة...
بس لما اتطرحت فكرة "السفر عبر الزمن" مع انتشار النسبية و كتبها و شروحها.. ثار علماء كتير و قرروا إن الفكرة نوع من "الخبل العلمي"...
و كالعادة اتحمس فريق آخر من العلماء...
اللي رفضوا فكرة السفر عبر الزمن.. استندوا إلي فكرة "السببية Causality ".. و الفكرة دي بتعتمد على أن أي تغير بسيط في أي معادلة يؤدي لتغير كل نتائجها بالتالي..
فتخيل لو واحد سافر للماضي و بلغ هتلر بخطة الحلفاء.. أو سلمه قبلهم فكرة القنبلة الذرية..
قعد العلماء في الخيالات و الجدال دا و آينشتاين بيراقبهم في صمت.. لأن عمر آينشتاين ما كان مهتم بالسفر عبر الزمن..
زي ما قلنا كان مهتم بالسفر عبر "الزمكان"..
و كان قبل النسبية في عالم اسمه "جون ميتشيل John Michell" اتكلم عن الثقوب السوداء.. و أشار إلي إن دي عبارة عن نجوم.. مادتها فنيت و اتحرقت.. و كتلتها اتضغطت آلاف المرات.. فبقت جاذبيتها هائلة.. و بتبدو لنا على شكل ثقب شديد السواد...
و لأن كثافة الثقب الأسود هائلة و جاذبيته مروعة.. فحتي شعاع الضوء لو مر جنبه مش بيفلت منه.. و بينحني صاغرا نحو جاذبيته الرهيبة.. رهيبة لدرجة إن الفضاء الكوني نفسه بينحني و يتحدب حول الثقب الأسود دا..
و بعدين خرج العلماء علينا بنظرية جديدة...
قالولنا: انت لو انطلقت نحو ثقب أسود و جذبك إليه.. فأنت فالحقيقه بتعبر الثقب دا إلي زمن و مكان آخرين في الكون...
يعني بتنتقل عبر الزمكان...
أخيرا وصلنا للانتقال عبر الزمن.. نرتاح بقي.. طبعا لا.. لأن جاذبية الثقب دي مش حاتشيلك تنقلك.. لو وصلتلها هنا ببدلة فضاء و للا على متن مركبة فضائية..
دي الجاذبية الهائلة دي حاتفك معدن سفينة الفضاء لذرات صغيرة.. قبلما تفك خلاياك من جسمك خلية خلية.. و بعدين تفكك الخلايا نفسها إلي ذرات.. و تسحبك إلي قلب.. الثقب.. زي دوامة البحر..
يعني مفيش أمل؟ ماخدناش وقت طويل لحد ما أكتشفنا "الثقوب الدودية wormhole".. زي اللي مرسوم تخيلا في "الصورة A"...
و الثقوب الدودية دي.. ليها طبيعة خاصة جداً ، فكل ما يعبرها يكتسب طاقة سالبة ، بحيث يخرج منها في زمن سابق لتاريخ دخولها..
أو بمعنى أدق ، يسافر عبر الزمن إلى الماضي...
و بدأت مشكلة جديدة.. الثقوب دي بتنهار فجأة.. يعني اللي يدخلها ممكن ميرجعش أبدا.. غير إن طاقتها الإشعاعية قاتلة.. محدش يستحملها..
غير كده.. حاتزيد كتلة الجسم ، مع زيادة سرعته ، حتى يبلغ سرعة الضوء ، ساعتها تبقى تبقى كتلته لا نهائية ، و دا معناه أنها حتحتاج أيضاً إلى طاقة لانهائية لدفعها ...
و في قمة بحوث العلماء المحمومة لحل المشاكل دي.. ظهرت كشوف جديدة.. لأجسام بتتحرك "أسرع من الضوء Faster-than-light"...
يعني في أمل.. و في حل..
طيب ايه اللي بيتحرك أسرع من الضوء دا؟ الكون بيتمدد بسرعة مذهلة.. , و دا بيجبر مجرات و أجسام فضائية على حواف الكون الفسيح.. انها تتحرك بما يفوق سرعة الضوء.. و ماينفعش سرعتها تقل.. لأنها مع تمدد الكون السريع.. تفنى و تتلاشى فورا..
المعادل الضوئي للدوى الإختراقي أسرع من الضوء.. و الدوي الإختراقي دا هو الدوي اللي بيحصل لما تكسر حاجز الصوت.. بالتالي لما تخترق جسيمات معينة سرعة الضوء.. بتصدر اللي نقدر نسميه "دوي ضوئي".. و دا أسرع من الضوء.. و بيحصل كتير يوميا في المفعلات النووية.. بيطلع الدوي الضوئي دا.. و بيسموه "أشعة شرينكوف Cherenkov radiation" اللي في "الصورة B"...
في نجم صغير "قزم أحمر" اسمه "القنطور الأقرب Proxima Centauri" و النجم دا بيسافر أسرع من الضوء..
إذن الموضوع ممكن..
و بالصدفة البحتة.. و في تجربة سموها "تجربة أوبرا OPERA experiment" .. لاحظ العلماء إن في جسيم إتحرك أسرع من الضوء.. حتى إنه وصل لهدفه.. "قبل" ما يتحرك من مصدره...
و خلينا نكرر الجملة دي مرة أخرى.. عشان ماتتصورش إنها خطأ مطبعي أو تتوه منك في الكلام: "الجسيم وصل لهدفه.. قبل ما يتحرك من مصدره"..
يعني الجسيم دا سافر بالفعل عبر الزمن إلي الماضي...
و في المعمل.. صنع العالم الروسي "تشيرنوبروف Chernoprove" آلة زمنية.. حط جواها خمس ساعات ذرية.. مضبوطة بالضبط مع ساعات ذرية خارجها.. و أطقها لما يفترض إنه 7 ثوان في الماضي..
و لما توقفت الآلة و فتحها تشيرنوبروف.. كان الساعات الذرية داخلها مأخرة سبع ثواني بالفعل..
يعني الساعات سافرت إلي الماضي لمدة سبع ثواني...
و لسبب ما.. يجوز عسكري.. اعلن العلماء فجأة بعد فترة إن تجربة أوبرا كانت نتيجة لخطأ حسابي.. بالرغم من انهم كرروها 3 مرات..
و انضم تشيرنوبروف للقوت المسلحة الروسية.. اللي وفرت له معمل و تحفظت عليه هو و فريقه و بقت أبحاثه سرية ممنوعة من النشر..
بس دا وضعنا أمام احتمال جديد...
السفر عبر الزمكان ممكن.. طبقا لمعادلات آينشتاين..
و دا يطرح لنا احتمالات أخرى...
ممكن حد يعبث بالتاريخ؟ حد يرجع يدي هتلر سر القنبلة الذرية مثلا..
العلم بيقول إن دا مستحيل.. لأنك لو سافرت عبر الزمن مش حتلاقي أحداث مادية...
حتلاقي نفسك في وسط فيلم سينمائي كبير.. بتتمشي و تشاهد و تسجل و مش عارف تشارك في الأحداث.. مجرد صورة وهمية.. ماينفعش تتدخل فيها..
ليه.. لأنها انقضت بالفعل...
الأمر يشبه إنك تبقى بتتفرج بالتليسكوب على كوكب بعيد.. بعيد بميت مليون سنة ضوئية.. يعني الكوكب دا شعاع الضوء خد 100 مليون سنة ضوئية عشان يوصل لنا منه و نشوفه..
خلال الميت مليون سنة دول.. جرت عليه أحداث و تعاقبت.. و يمكن اتحرك أو انفجر في الفضاء و مبقالوش أثر..
يعني أنت في الحقيقة مش شايف الكوكب.. أنت بتتفرج على صورة لشيء مالوش وجود...
أنت شايف ماضيه السحيق الموغل في القدم..
كأنك في مسرح ثلاثي الأبعاد.. بتتفرج على أم كلثوم معروضة ببروجتكور مجسم.. لو حاولت تسلم عليها مش حتلاقيها مادية حقيقية.. مجرد صورة مجسمة ثلاثية الأبعاد...
نفس الشيء عن السفر عبر الزمن...
مفاجآت النسبية و غرائبها مش بتنتهي.. و آينشتاين يأبى إلا أنه يثير ذهولنا باستمرار حتى بعد موته.. و الكلام عن النسبية محتاج مراجع و مجلدات.. و اللي عملناه هنا مع بعض من تبسيط مخل متواضع.. مايكفيش..
يكفي بس إنه يمنحنا فكرة عن الموضوع.. و نبقى فهمنا النظرية الغامضة دي بتتكلم عن إيه.. و أزلنا بعض ما حولها من غموض...
"نسبياً"...
-----------------
مراجع
-----------------
1 - التدوينات السابقة:
أ - ( https://goo.gl/QZB12B) و؛
ب - (https://goo.gl/pS67Hb) و؛
جـ - (https://goo.gl/hKIeE0) و؛.
د - (https://goo.gl/ySNFF2) و؛
هـ - https://goo.gl/X74hi1.
2 - Everett, Allen; Roman, Thomas (2012). Time Travel and Warp Drives. University of Chicago Press. p. 167.
3 - Elias Gravanis; Steven Willison (2007). "`Mass without mass' from thin shells in Gauss-Bonnet gravity". Phys. Rev. D 75 (.
4 - Davies, P. C. W. (1978). "Thermodynamics of Black Holes"
5 - Arkani–Hamed, N.; Dimopoulos, S.; Dvali, G. (1998). "The hierarchy problem and new dimensions at a millimeter". Physics Letters B 429 (3–4): 263..
6 - Polchinski, Joseph (1991). "Weinberg’s Nonlinear quantum Mechanics and the Einstein-Podolsky-Rosen Paradox". Physical Review Letters 66 (4): 397.
7 - Gott, J. Richard (2002). "Time Travel in Einstein's Universe": 82–83.
8 - Visser, M.; Bassett, B.; Liberati, S. (2000). "Superluminal censorship". Nuclear Physics B: Proceedings Supplement 88: 267–270.
9 - Raine, Derek; Thomas, Edwin (2009). Black Holes: An Introduction (2nd ed.). Imperial College Press. p. 143.
10 - النظرية النسبية الخاصة . د على مصطفى مشرفة...