كريت المحتلة من العثمانيين.. أرادت انها تستقل وتنضم لليونان، عشان ماتتعرضش لنفس اللي اتعرضنا له في مصر وقتها. رغم أن أهل كريت دول زي الصعايدة عندنا، مابيبقوش تحت سيطرة المحتل وعندهم دايمًا شبه استقلال.. بس كانت عايزة استقلال تام، تواصلت عشانه مع حكومة اليونان، وبالفعل دخلتها القوات اليونانية، فاندلعت شرارة الحرب اليونانية العثمانية.

اللي حصل في مصر بقى، هو أنه بعد "عباس حلمي الأول" جه "سعيد باشا".. وعرضت عليه فرنسا مشروع حفر قناة السويس وقبله.. قناة تربط البحرين المتوسط والأحمر، المشروع دا عملوه اجدادنا القدماء واتحفرت واهملت واتردمت عدة مرات. قناة "سنوسرت الثالث " أو "سيزوستريس"، قناة "بطليموس الثاني"، قناة الرومان.. قناة أمير المؤمنين أيام "عمرو بن العاص"، وبعدين ردمها "أبو جعفر المنصور" عشان ميجيش مدد من مصر لأهل الحجاز الثائرين ضد الحكم العباسي، وبعدين فتحها "هارون الرشيد" وبعدين اتردمت.. وإلخ.

"سعيد" وافق على حفر القناة، على أن يكون الإمتياز للشركة الفرنسية 99 سنة، مع حصة 15% من الربح لمصر.. ووافق "سعيد".. ومع وفاته جه "إسماعيل".. ودا كان عنده نزعة استقلالية زي "محمد علي".. فبدأ يعمل إصلاحات.. ويستصدر فرمانات من الباب العالي للموافقة عليها.. وكان السلطان العثماني "عبد العزيز" بيوافق له بالفلوس.. يعني بياخد رشوة عشان يصدر فرمانات يوافق على الإصلاحات اللي عايزها "إسماعيل".. وفي النهاية منحه لقب "خديوي" مع استقلال إداري مقيد، بشرط عدم إبرام المعاهدات ولا صناعة السلاح والمدرعات، مقابل مضاعفة الجزية من 400 ألف جنيه سنويا إلى 800 ألف.. وبعدما خد في شكل عطايا وهدايا، ما قيمته 30 مليون جنيه.

"إسماعيل" مع المبالغ اللي دفعها للباب العالي دي، احتاج فلوس عشان يكمل مشاريعه فاستلف من أوروبا.. مع الديون بدأت إنجلترا تحاول تتدخل في الحياة السياسية، خصوصًا مع خوفها من إن فرنسا تستأثر بمصر، بالذات مع قصة القناة دي.. لكن "إسماعيل" رفض التدخل الإنجليزي.. فانجلترا عملت لعبة طريفة، هي إنها ناقشت موقف مصر المالي، في البرلمان الإنجليزي، وأعلنت أن "إسماعيل" مخبي الموقف اللي هو أكثر سوء بكتير من المعلن.. فمع المناقشة دي، هرعت الدول لمصر تطالب بديونها في هلع، فهبطت السندات المصرية إلى الحد الأقصى، وكادت مصر تعلن إفلاسها، لولا تدخلت انجلترا، واشترت حصة مصر في القناة، بمبلغ 100 مليون فرنك.

كده بقى عندنا إنجلترا وفرنسا على الأرض في قناة السويس، اللي خسرناها بالكامل بعد ست سنين من افتتاحها.. وعندنا السلطان العثماني "عبد العزيز" بيقطع شرايين إيده بالمقص.. والقوتين العظميين دول بيحاولوا يتدخلوا في الشأن المصري، محاولة ورا التانية سنة ورا سنة.

فلما بتلاقي إنجلترا إن "إسماعيل"، بيسعى لتأسيس إمبراطورية في إفريقيا، لدرجة إنه بيكاد إنه من السودان يتحرك ويحتل إثيوبيا.. وتبقى أرض مصرية.. بتوعز للسلطان العثماني "عبد الحميد" بعزله، في 26 يونيو 1879، وتعيين "توفيق" بداله.

في عصر "توفيق" بتنقسم مصر بين نفوذ فرنسي ونفوذ انجليزي، وبتصدر التشريعات وعكسها، وبتسوء الأوضاع ويضعف الاقتصاد وتزداد الأعباء على كاهل الناس، و مع تردي الأوضاع، بيبدأ الجيش يتذمر، وكان محدود ضعيف وقتها، قوته مقيدة بـ10 آلاف جندي، فبيصدر قرارات من "توفيق" بايعاز من الإنجليز، بمنع ترقية ضباط الصف، واستبدال القادة المصريين، بغيرهم من الاتراك، وبتصاب القوة العسكرية المحدودة دي بالضعف والتفكك.. وبتبقى مصر بلا حماية من التدخلات الإنجليزية الفرنسية، فبيقود "أحمد عرابي" حركة تمرد داخل الجيش الصغير، وبيقدم مطالبه إلى "عثمان رفقي باشا" ناظر الجهادية - منصب وزير الدفاع وقتها - وطالب فيها بزيادة قوة الجيش إلى 18 ألف جندي، وعمل مجلس نواب وطني، يشرع للشعب، بدون تدخل القوى الأجنبية، واستبعاد القادة الترك وتسليم قيادة الجيش للمصريين. وعبر الوقت بيلتف بقية الجيش والناس حول "عرابي".. وبيطالبوا الخديوي بتنفيذ المطالب دي.

والحقيقة أن "توفيق" استجاب للمطالب دي، وعين محمود سامي البارودي ناظر للجهادية.. أول مصري يتولي المنصب من عقود طويلة.. وبعدين اتعزل رئيس الوزراء واتعين " محمود سامي البارودي" رئيس وزراء وعين "عرابي" ناظر الجهادية.. واتشكلت وزارة جديدة، وانعقد مجلس نواب وبدأ الشروع في إعداد دستور للبلاد، لولا أن التطورات دي ماعجبتش إنجلترا، فأمرت "عبد الحميد" فأمر "توفيق" بدوره، بعزل "محمود سامي البارودي"، فتم عزله بالفعل في 26 مايو 1881.

وكان السلطان "عبد الحميد" مستعد يعمل أي حاجة عشان انجلترا ترضى عنه وتفضل واقفة حائط صد بينه وبين روسيا، فاتواصل مع انجلترا، وأعلنت له أن اسطولها وجنودها حيتوجهوا إلى مصر، في ظل القلاقل دي لحماية الأقليات، فوافق بدون تردد.

وفي مصر عرف "عرابي" أن الإنجليز جايين عن طريق رئيس الوفد العثماني "مصطفى درويش باشا".. اللي نصحه يسيب إسكندرية ويهرب.. عشان الإنجليز حينزلوا قواتهم على شواطئها.. وقدم له قرار من السلطان العثماني، "عبد الحميد".. بأنه لو سافر إلى أسطنبول، حيحصل على قصر وراتب شهري كبير و"النيشان المجيدي" من الطبقة الأولى.. لكن "عرابي" رفض، واعتبرها رشوة، وبلغ السلطان من خلال برقية، وقعها مع رابطة من علماء الأزهر، إنهم حيدافعوا عن الأراضي المصرية ضد الإنجليز بالدم.. وإن تعاونه مع الإنجليز ضد المصريين، يعني أنه غير أهل للسلطنة، وممكن يصدروا فتوى بخلعه.

وهنا بتروح إنجلترا للسطان "عبد الحميد"، وبتقدم له مبلغ 450 ألف جنيه استرليني.. مع وعد بقرض سبعة ملايين فرنك، من بنوك إنجلترا، وبتطلب منه إصدار فرمان خاص، فبيصدر في في 5 سبتمبر 1882 فرمان بإعلان عصيان "عرابي" كونه بيهدد أساطيل دولة حليفة للدولة العثمانية.. وصدرت فتوى من أسطنبول، بتكفير "عرابي"، وكل من يحارب في صفه، وبحرمة قتال الإنجليز لأنهم أقوياء جدًا.. وقتالهم يعتبر إلقاء المسلم نفسه بيده للتهلكة.

وفي 10 يوليو 1882، وصل الأسطول الإنجليزي إلى رأس التين، وأصدر إنذار لقلعة راس التين بخفض مدفعيتها والاستسلام، ولكن "عرابي" رفض الإنذار، فانطلقت المدفعية الإنجليزية من البحر تدك الإسكندرية، ونزلت القوات البريطانية على الشط، بينما انسحب "عرابي" أمام أمطار القذائف إلى كفر الدوار.. وتحرك جانب من الأسطول الإنجليزي إلى القناة، واحتل الإسماعيلية وبورسعيد، وفي 28 أغسطس 1882 من العام نفسه، اتهزم "عرابي" في معركة القصاصين.. وعاد يتحصن بـ"التل الكبير".. وهناك دارت معركة التل الكبير، ودي مكانتش معركة ولا حاجة.. ومخدتش أكتر من نص ساعة.. الإنجليز حاصروا فيها معسكر "عرابي" ليلًا والجنود نائمين منهكين.. وسيطروا عليه بسرعة، قبل حتى ما يرتدي حذائه العسكري.. وبعدها في 14 سبتمبر 1882، سقطت القاهرة، واستقبل الخديوي "توفيق" القوات الإنجليزية في قصر عابدين، وعقد محاكمة لـ"عرابي" ورجاله، وحكم عليهم بالنفي إلى سيريلانكا.

زي ما قلنا كان السلطان "عبد الحميد".. "حميدنا" بتاع المسلسل العبيط إياه.. أسهل حاجة عنده يتنازل عن الأرض، وأسهل حاجة عنده يبيع الأرض نفسها بالمال.. فباع مصر وسلمها للإنجليز بـ450 ألف جنيه إسترليني.. ووعد بقرض. مفيش دولة في الشرق عامة احتلت من قبل قوى أجنبية إلا في عهد العثمانيين.

بعد كده بتظهر له مشكلة الأرمن المضطهدين، اللي طول الوقت في عذاب وعايشين في تفرقة عنصرية وكراهية وظلم.. "عبد الحميد" كان مؤمن بالتنجيم، وكان بيستمع إلى دجال خاص، اسمه " أبو الهدى الصيادي".. والدجال دا أقنعه أن اللي بيعمله دا تم ذكره في نبؤات خاصة، حوها كتاب "الجفر".. وإنه مؤيد من السماء.

خد بالك لما حد يقولك "اصل الأرمن هاجموا العثمانيين الأول".. فدا الحقيقة محصلش.. الأرمن كانوا ولا زالوا شعب هاديء مسالم.. لدرجة أن الدولة العثمانية بنفسها أطلقت عليهم "ملت صادق"، يعني "الشعب الطيب المخلص".. لحد سنة 1893.. لما ازداد الأضطهاد وبدأ الأرمن يشتكوا من المعاناة.

وكان الأرمن بدأوا يضجوا من الاعتداء على نسائهم وأعراضهم وأموالهم وزادت تظاهراتهم واعتصاماتهم، فالأخ "عبد الحميد"، راح مأسس ميليشيا خاصة اسمها " الكتائب الحميدية".. دورها قتل الأرمن وتعذيبهم وإيذائهم وإخضاعهم للذل بالقوة.

وفي الوقت دا تجمع بضعة رجال من الأرمن، واتفقوا على قلب رجل واحد.. وراحوا يتكلموا مع الدولة العثمانية حول الاضطهاد والتمييز اللي بيحصل، فـ "عبد الحميد" بمجرد وصولهم للقصر واستقبالهم.. وقبل حتى ما يلتقوا به.. راح ملبسهم قضية سماها "تفجير المصرف العثماني"، وقال أن دول كانوا حيفجروا المصرف العثماني، بس كشفنا مخططهم قبل التنفيذ، وبدأ في تعذيبهم بعنف ووحشية، وهددهم بنسائهم وراح رجالته جابوا فعلا ملابس النساء الخاصة من البيوت.. فانهار الرجال ووقعوا اعترافات تحت وطأة التعذيب، في 26 أغسطس، سنة 1896.

وهنا بيبدأ الأرمن في أراضيهم المحتلة، مع كل الضغط والتعذيب، يحلموا بالاستقلال بدورهم.. فبيبدأوا يدعو الشعب الأرمني للثورة، فبيطلق عليهم "عبد الحميد" كلابه "كتائب الفرسان الحميدية" مع الجيش العثماني.. تعمل فيهم كل صنوف القتل اللي تتخيلها.. الصلب.. الحرق أحياء.. الذبح.. الخوزقة.. وماقتصرش الأمر على ثوار الأرمن اللي عايزين يحرروا أراضيهم بس.. امتد لأطفالهم.. فراحت قوات الجيش العثماني وكتائب "عبد الحميد" تجمع الأطفال الصغيرة في عمر 5 و 6 سنوات، وتحرقهم أحياء، أو تدفنهم أحياء، أو تلقيهم في معسكرات خاصة بلا ماء ولا طعام حتى الموت.

مع كل المذابح العثمانية المروعة دي، ملقاش الأرمن المقيمين في أسطنبول بد إلا أنهم تجمعوا في مظاهرة كبيرة، من ألفي متظاهر، وتوجهوا للباب العالي، حاملين اللافتات، للهتاف بحقوقهم.. ففتحت عليهم الشرطة العثمانية النار، وأبادتهم.

وهنا.. بتظهر للساحة الحركة التحرير الوطنية الأرمينية، وبتبدأ تقرر تحرير الأراضي الأرمينية من العثمانيين، وبتدعو للثورة والمقاومة.. وبتندلع الشرارة للمرة الأولى، في مدينة "ساسون"، ضد الجيش العثماني وجزارين الكتائب الحميدية.. عشان كده بتتسمى "حركة مقاومة ساسون".. وفي الآن نفسه تقريبًا.. أسس البلغاريين جمعية ثوار مقدونيا.. في العام 1893.

مفيش حاجة اسمها "مذبحة الأرمن" في الحقيقة.. مكانتش "مذبحة".. كانت "سلسلة مذابح" رهيبة.. محاولة شيطانية للإبادة.. راح ضحيتها ملايين من الأبرياء.. مذابح الأرمن كانت مروعة، والحديث عنها ماينفعش في منشور واحد.. فنبقى نكتب حولها سلسلة منشورات منفصلة عنها بإذن الله.

خد بالك من الغبي اللي بيحاول يشير لمذابح الأرمن على أنه حرب بين "المسلمين الكويسين" ضد "المسيحيين الأشرار".. دا هبل.. الدولة العثمانية زي ما قال عنها الراحل "جمال حمدان".. مالهاش ملة ولا دين.. دي مجرد عباءة بتبرر أفعالها.. ومذابح الأرمن مكانتش الأولى.. الدولة العثمانية قادت مذابح مروعة ضد الشعب الألباني المسلم لما احتلوا ألبانيا عام 1468، ولما رفضوا إن "عبد الحميد" يبيع أجزاء من أرضهم لروسيا تديها للجبل الأسود بعد خيبته وهزيمته.. حنوصل لمذابح العثمانيين ضد الألبان في سياق الأحداث مع السلسلة دي.

المهم أنه في الآن نفسه اللي بتدور فيه مذابح الارمن، بتدرك "كريت" إن وجودها تحت السيطرة العثمانية خطر، ومش مضمون.. ويا إما حتتسلم من احتلال لاحتلال زي مصر.. يا إما حتتعرض لمذابح رهيبة مروعة زي مذابح الأرمن اللي شغالة.. وكانت على حق، وبتتعلم من الدرس المصري ودرس الأرمن، فبتطالب بالاستقلال.. وبتشتعل الحرب اليونانية العثمانية.

بتبدأ المعارك وبينتصر العثمانيين ويجبروا القوات اليونانية على التراجع.. وبالفعل بتقف الجنود اليونانية في 17 مايو من العام 1897 عند ممر " ثيرموبيلاي Thermopylae ".. الممر اللي أهل اليونان صدوا الفرس عنده بحوالي ٣٠٠ جندي من إسبرطة.. سنة 480 قبل الميلاد.

الممر دا ضيق ومالوش حل، ولازم عشان تنتصر تعديه،، ولما اليونانيين بيصطفوا فيه، بيقدروا يواجهوا أفواج الأعداء فوج ورا فوج بأعداد قليلة.. وبتفضل الدولة العثمانية تحارب ليل نهار لمدة 3 ليالي متواصلة لعبور الممر، وبتفشل وبتفقد آلاف الجنود.. فبتطلب وقف إطلاق النار، وبتعقد مع اليونان "معاهدة أسطنبول".. وفيها بتحصل "كريت" على الحكم الذاتي، لكن تحت السيادة العثمانية، بمعنى إنها تدفع لها جزية سنوية.

في كل الوقت دا كانت مفاوضات "عبد الحميد" مع "هرتزل" ممتدة عادي وبيزوروا بعض.. و"عبد الحميد" مصمم يمنحه العراق، كوطن قومي لليهود، وهو مصمم على سيناء وفلسطين.. وفي العام 1902، اشتعلت ثورة مقدونيا، فراح "عبد الحميد" عمل لهم ميليشيا اخرى من رعايا الدولة من اليونانيين والصرب.. واستمرت المعارك سنة كاملة.. لحد ما ضغطت عليه فرنسا، فبعت لهم " حسين حلمي باشا " يعمل شوية إصلاحات تهديهم.

والعجيب أن الأتراك نفسهم في أسطنبول، ثارت منهم جماعات ضد مذابح "عبد الحميد" في حق الأرمن.. خد بالك كانوا برضه جيران وعايشين مع بعض وأحيانًا متجوزين من بعض.. فقرر "عبد الحميد" أنه يمثل تمثيلية خاصة، يدعي فيها محاولة اغتياله.. كسبيل لأنه يخلي أي داعم في تركيا للأرمن يتراجع عن دعمه، وفرصة تتيح له الاستمرار في التنكيل بهم.

والتاريخ حفظ لنا الواقعة المزيفة الساذجة دي باسم "حادثة القنبلة".. ودي نتكلم عنها وعن باقي عصر "عبد الحميد" - اللي اتسمي باسم "السلطان الدموي" والسلطان الأحمر" - لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

------------------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

- الصورة الأولى لعبد الحميد مع هرتزل، الأب الروحي للدولة اليهودية.

- الصورة الثانية لأطفال أرمن قام الأتراك بتجويعهم في معسكراتهم حتى الموت.

------------------

#الخلافة_العثمانية 43