صباح 29 يوليو من العام 1832 ميلادية، والجيش المصري بقيادة "إبراهيم باشا" بيتجه إلى كمين محكم، أعده الجيش العثماني؛ في ممرات بيلين الجبلية، على الحدود التركية السورية.

الخطة الرهيبة اللي وضعها السرعسكر "حسين باشا" مع مستشاره العسكري الفرنسي "ثيفينين Thevenin".. كخطة بديلة في حالة حدوث احتمال بالغ الضآلة إن "إبراهيم" يهزمهم في الشام.. وهو ما حدث بالفعل.

بتتبدى لـ"إبراهيم" في الأفق القوات العثمانية، متمركزة في ممرات بيلين.. بينما المدفعية على قمم الجبال مختفية مموهة.. بانتظار تقدم المصريين.. وكان يفترض أنه بمجرد تقدمهم.. تنسحب القوات العثمانية.. وتخلي المجال لرجال المدفعية.. يأدوا عملهم.

وبالفعل بيتقدم "إبراهيم باشا" بفرسان القلب نحو قلب القوات العثمانية.. و"حسن المانسترلي" نحو الميمنة، و"سليمان باشا الفرنساوي"، نحو الميسرة.

وبتشرع المدفعية العثمانية في التصويب.. وبتحاول اقتناص "إبراهيم" اللي بيلتحم بالجيش العثماني بالفعل.. وبيتراجع الأخير لكيلومتر أو يزيد، في انتظار انطلاق المدفعية العثمانية.. اللي مابتنطلقش أبدًا.

وبيفاجأ السرعسكر العثماني "حسين باشا".. أن بطاريات المدفعية قد سقطت في أيدي المصريين.. وبيدرك متأخرًا جدًا.. أن "إبراهيم" كان عارف خطته السرية منذ البداية.. السر إن مستشاره "ثيفينين" كان اتحسب في عداد المفقودين في معركة حلب.. واتصور "حسين باشا" إنه قتل في المعركة.. والحقيقة هو مكانش اتقتل.. كانت أسرته القوات المصرية.. وأثناء انسحاب "حسين باشا" إلي بيلين.. كان جنود الجيش المصري، بيستجوبوا "ثيفينين"، وكان قائد عسكري فرنسي صلب شديد المراس بالفعل.. بيرفض يديهم معلومة واحدة.. فبيقدموا له تحية رقيقة.. بكل فردة جزمة طالتها أيديهم.. لحد ما بيعترف بالخطة الأصلية والبديلة وتاريخ ميلاد خالته.

ولأن "إبراهيم باشا" عرف بالخطة، أطلق الجنود المصريين، وخصوصًا من أهالي الصعيد المعتادين على الطبيعة الجبلية.. فتسللوا خلسة كرجال الكوماندوز وتسلقوا جبال بيلين بالمئات.. وقتلوا حماة المدفعية بالأسلحة البيضاء في صمت وهدوء، ثم قتلوا رجال المدفعية أنفسهم.. وسيطروا على بطاريات المدفعية العثمانية بالكامل.

ولأن "إبراهيم" و"المانسترلي" كانوا مشتبكين مع المشاة العثمانية بالفعل.. بقى من المستحيل أن المدفعية العثمانية تجد قوات بديلة لحمايتها.

وأمام ضربات الثلاثي "إبراهيم" و"سليمان" و"المانسترلي".. بينسحب الجيش العثماني.. والمرة دي.. بتقصفه بطاريات مدفعيته هو نفسه، التي سيطر عليها الجيش المصري، من أعلى مرتفعات بيلين.

وبينهزم الجيش العثماني للمرة الثانية، وبينسحب إلى داخل الأراضي التركية، وللمرة الأولى منذ زمن.. بيبسط الجيش المصري سيطرته على كامل بلاد الشام، بما فيها الاسكندرونة وبيحتل ميناء إياس، شمالي الإسكندرونة، ولأول مرة منذ ثلاثة قرون.. بيعسكر الجيش المصري، على الحدود التركية السورية، في يوليو من العام نفسه، 1832.

بيضطر "إبراهيم" يترك حامية مصرية على الحدود، ويرجع بمعظم الجيش إلى "حلب".. وبيراسل أبوه "محمد علي" بالتطورات.. فبيقول له "كفاية لحد هنا".. ماتتقدمش أكتر.

ولكن بيحصل فجأة موقف غريب، بيغير مسار الأحداث.. هو أن الوالي العثماني لـ "ديار بكر" بياخد معاه زميله والي "أوروفا" ، وبيتحركوا من الحدود التركية، ويعبروا إلى الشام ومنها إلى حلب.. وبيدخلوا على "إبراهيم" بغتة، شايلين كفنهم علي إيديهم.. وبيركعوا أمامه، معلنين خضوع "ديار بكر" و"أوروفا" للدولة المصرية.

ودي كانت أول مدن عثمانية تستلم بلا هجوم أو قتال.. فبناء علي التطور الخطير ده، "إبراهيم باشا" بيرسل لأبيه، أنه عازم على التقدم.. وطرق الحديد وهو ساخن.. وبيمني أبيه بنصر عظيم، يتحاكى به الناس عبر العصور.. وبيبشره إنه من الآن فصاعدًا حينادي به الأئمة على المنابر والشيوخ في ساحات الدرس والرهبان في الكنائس والمعابد، بلقب "محمد علي باشا، سلطان المسلمين"، وبيرجو أبوه بالفعل أنه يصدر قرار بذلك في مصر والسودان والشام والحجاز.

لكن "محمد علي" كان رجل بسيط.. بالمناسبة العبقرية.. كل العبقرية.. بتكمن في البساطة.. مش في التعقيد والتآمر العبيط والمظاهر الفارغة.. لو تلاحظ كان كل سلطان عثماني جاء سمى نفسه لقب من عشر كلمات على الأقل.. بتبدأ بـ "شجاع الدنيا".. "غياث الدنيا والدين".. "صاعقة الإسلام".. "بكابورت الفتح".. "ماسورة مرحاض المسلمين".. إلخ.. لكن "محمد علي" لا.. فضل بسيط طيلة عمره.. وعشان كده رد على "إبراهيم" برسالة محفوظة تاريخيًا، وافقه فيها على التقدم إلى داخل الأراضي العثمانية.. لكنه اختتمها قائلًا:

"تقول لي في كتابك أنك تريد أن تسكّ المعدن وهو حام.. وهذا أقرك عليه.. وإنك تريد أن يخطب باسمي في جميع المساجد والمعابد، وهو ما لا أقرك عليه...

فاعلم يا ولدي أنا لم نصل إلى مركزنا الذي نشغله الآن، إلا بقوة الوداعة وخفض الجانب.. فإنه يكفيني أن أحمل اسم (محمد علي) خالصًا من كل رتبة وزينة.. فهو أكبر لي من جميع ألقاب السلطنة والملك.. لأن هذا الاسم وحده هو الذي خولني الشرف الذي يجلّلني الآن.. فكيف أستطيع يا ولدي أن أتركه إلى سواه؟ لا ياولدي.. إنني أحفظ اسمي (محمد علي).. وأنت يا بني تحفظ اسمك (إبراهيم)؛ وفيك وعليك رحمة الله وبركاته".

وبيفض الجيش المصري معسكره، وينظم صفوفه، ويتجاوز الحدود السورية نحو الأراضي التركية.

والمرة دي بيبلل السلطان العثماني "محمود الثاني" سراويله من الرعب.. فبيهرع إلى أوروبا تنقذه.. بس محدش كان فاضي له إطلاقًا.. لأنه من أغسطس 1830 ميلادية، كانت بدأت "المسألة البلجيكية" وحتستمر بمشاكلها لحد 1835، ودي كانت ثورة عارمة.. قادتها المقاطعات الجنوبية للمملكة الهولندية المتحدة، ضد الملك الهولندي "ويليام الأول Willem I"، ودي بسببها حتستقل المقاطعات دي وتتوحد في مملكة.. كصرخة ميلاد أولى لدولة جديدة مكانتش على الخريطة.. بلجيكا.

ميلاد المملكة البلجيكية.. إللي حتتمخض عنها دولة بلجيكا القائمة الآن.. وثورات بقى ونزاع على الكرسي ومفاوضات ومؤتمرات.. فمحدش من أوروبا كان فاضي لـ"محمود الثاني".. خد بالك دايمًا يقول لك:

"محمد علي" دعمته أوروبا الكافرة لتفكيك الدولة العثمانية المسلمة"... الحقيقة في حرب "محمد علي" مع العثمانيين.. محدش لجأ لأوروبا وساندته ودعمته إلا العثمانيين.

المهم بيلاقي "محمود الثاني" إن محدش فاضي له من الدول الأوروبية.. فبيحشد كل جندي من جنود الجيش العثماني، وبيطلق المنادين والرسل، في أرجاء السلطنة، داعيًا إلى "الجهاد المقدس".. لحماية السلطنة العثمانية.. وبيتدفق إليه الجنود العثمانيين كالنمل، من كل حدب وصوب من كل أنحاء الدولة، للدفاع عن قلب السلطنة.

وبيدخل الجيش المصري إلى ولاية أضنة وطرسوس.. وبيعسكر هناك لفترة، لحد ما قوات الاستطلاع المصرية بتبلغ "إبراهيم" باشا.. أن الجيش العثماني الهائل، بيتقدم نحوهم تحت قيادة الصدر الأعظم "رشيد محمد خوجة باشا".

ولأن "إبراهيم" قائد ذكي.. فمابينتظرش الهجوم.. بيسيب كتائب من الجيش في المواجهة.. وبيزحف هو نفسه بباقي الجيش إلى الشمال.

وبيحاصر أنقرة.

بيعسكر الجيش المصري على حدود أنقرة، في أعنف شتاء ممكن تتخيله، يمر على الدولة العثمانية.. انحدرت فيه درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر وتساقطت الثلوج طيلة الوقت، على جنود مصريين مش معتادين ولا متوقعين للمناخ ده.

وبتتصدى حامية أنقرة وكتائب الجيش العثماني فيها للجيش المصري، وبتفتح عليه نيران مدفعيتها وقذائفها.. لكن "إبراهيم" كان على مدى آمن من نيران المدفعية.. فبيرقب الحامية في برود.. لحد ما تخلص ذخيرتها أو تكاد.. وفي مساء منتصف أكتوبر، من العام 1832، بيتوقف التاريخ عشان يدون لنا الأحداث الرهيبة اللي هزت العالم في تلك الليلة.

ليلة سقوط أنقرة.

بينقض الجيش المصري على أنقرة في مساء منتصف أكتوبر من العام 1832 وبيدحر قوات الجيش العثماني فيها.. ويحتلها.. في مفاجأة مدهشة، أذهلت العالم.. إحتلال "أنقرة" في الوقت دا.. كان كأنك مثلا النهاردة أحتليت نيويورك في أمريكا مثلًا.. أو عسكرت بقواتك على مشارف برلين.

وفي 18 ديسمبر من العام 1832، بيبدو في الأفق غبار خيول الجيش العثماني الهائل، بقيادة "رؤوف باشا" مبعوث الصدر الأعظم " رشيد محمد خوجة باشا "نفسه.. وكان "إبراهيم" اتقدم إلى شمال "قونية".. وهناك، بيعسكر "إبراهيم باشا" وجهًا لوجه أمام "رؤوف".. وبينتظر لحد ما بتضم عليه قوات الصدر الأعظم " رشيد محمد خوجة باشا" بعد يومين.

وفي 21 ديسمبر ، مع تنظيم صفوف جيش العثماني بقيادة "رشيد باشا".. بيهبط فجأة على المنطقة ضباب كثيف، سميك.. لدرجة أن محدش من الجيشين بيبقى شايف التاني.. فبينتهز "رشيد" الفرصة.. وبيأمر بطاريات المدفعية بالتقدم.. وبالحدس وحاسة المكان.. بيطلق قذائفه على معسكر الجيش المصري.

وبتنهال القذائف على موقع الجيش المصري، وبتحيله إلى شعلة من اللهب.. دون أن ينطلق من المعسكر المصري رصاصة واحدة، وبدا لـ"رشيد" أن القائد "إبراهيم"، اتفاجيء بالضربة، وتلقي النيران.. وهلك وسط رجاله.

والحقيقة هو إن "رشيد باشا" كان بيقصف أرض خاوية.. لأن مع هبوط الضباب.. "إبراهيم" فض معسكره.. وحرك الجيش لليسار لمسافة كيلومترين.

وبيبدأ "رشيد" يتقدم.. بينما "إبراهيم" قابع وسط الضباب مع جيشه في صمت.. لحد ما بيمر الجيش العثماني على مسافة 500 متر منهم فحسب.. فبينقض عليهم رجال الجيش المصري من الجانب فجأة وسط الضباب كالأشباح.. ومن مدى قريب للغاية، فقدت معه المدفعية العثمانية فاعليتها، ومع الهجوم المباغت العنيف، بتسقط ميمنة الجيش العثماني وينكشف القلب.. وبعدين بتسقط الميسرة، وبينما كان "إبراهيم باشا" بيطوق الجيش العثماني، كانت المدفعية المصرية بدأت تطلق قذائفها.. وساد ارتباك هائل.. وبدأ الجنود العثمانيين يحاولوا الهرب.. لكن كانوا متطوقين بالفعل.. واللي بيحاول يهرب بيفقد حياته فورًا.. فبيقرر "رشيد باشا" ينطلق بنفسه، ويعيد تنظيم الصفوف.

لكن "رشيد" بيفقد اتجاهه وسط الضباب.. ومبيعرفش هو فين وللا رايح فين.. ولما بيستدير محاولًا العودة.. بيلاقي نفسه فجاة محاط بجنود مصريين.. بيهجموا عليه ويجردوه من سلاحه.. ويقبضوا عليه ويقتادوه أسيرًا إلى "إبراهيم باشا".

بيتأسر الصدر الأعظم، وبيكمل الجيش المصري على العثمانيين، اللي بيحاولوا الفرار شمالًا عبر المستنقعات، لكن سلاح الفرسان طارد معظمهم وقتلهم.. ومنجاش منهم إلا اللي خلع زيه العسكري (الموضوع وراثي الظاهر) وفر عاريًا إلى البلدات القريبة وقبائل البدو، وأخذ منهم ما يستر به جسده.

التاريخ دون لنا المعركة دي باسم "معركة قونية".. وفيها بتخسر الدولة العثمانية معظم جيشها.. وبيأسر "إبراهيم باشا" رئيس الوزراء.. الصدر الأعظم "رشيد باشا".. وبيشحنه إلى القاهرة.

وبيهرع "محمود الثاني" إلى بروسيا والنمسا.. وكانوا بعيد شوية عن المسألة البلجيكية.. لكن الاتنين بيرفضوا معاونته.. وبيقولوا له أنهم مش مستعدين يلتحموا مع الجيش المصري على الإطلاق.. وإن دا قد يسبب لهم خسائر جسيمة.. وربما هزيمة.. تهدد ملكهم وتقوض عروشهم.

وفي الآن نفسه، بيعيد الجنود العثمانيين الباقين تنظيم صفوفهم.. وبيعسكروا في "كوتاهية".. وبيزحف إليهم ويلتقي بيهم "إبراهيم" مرة أخرى وأخيرة، بيقضي عليهم فيها تمامًا.

بعد "كوتاهية" بيدخل الجيش المصري إلى "مجنيسيا" على حدود إزمير.. وهناك بيلتقوا على أبوابها بحاكم إزمير وقواته.. اللي بيضعوا أسلحتهم بلا مواجهة.. وبيركعوا أمام القائد المصري وجنوده.. وبيعلنوا الخضوع للدولة المصرية والولاء لـ"محمد علي".

وبيتسلم "إبراهيم باشا" المدينة وبيعزل حاكمها المهزوم المستسلم.. وبيعين عليها أحد أعيانها، وهو "منصور أفندي زده".

وبيزحف الجيش المصري إلى بورصا ويدخلها.. ويعسكر فيها.. وهناك بيهزم آخر حامية عثمانية موجودة.. مما يعني أن الجيش العثماني قد دُمر بالكامل تقريبًا.. وأصبح الطريق مفتوح إلى عاصمة الخلافة.

وبيتحرك "إبراهيم".. وبيعسكر على بعد 200 كيلومتر، من قصر السلطان العثماني في قلب الآستانة.

المدينة اللي نعرفها اليوم كلنا باسمها الشائع الشهير.

"أسطنبول"...

ويبدو أن الوقت سرقنا النهاردة والحدوتة طالت.. فنكمل حكايتنا لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية بإذن الله.

----------------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

- الصورة لتمثال "إبراهيم باشا" من ميدان العتبة بالقاهرة، منقوشًا على قاعدته: "سلام على إبراهيم، قاد جيشه من نصر إلى نصر".

---------------

#الخلافة_العثمانية 37