قامت ضد "محمود الثاني" سلطان الدولة العثمانية، ثورة في اليونان.. الثورة دي كانت ثورة نظيفة لأنها "ثورة ضد محتل أجنبي".. انسى بقى قصص "فتحوا الدول دي لنشر الإسلام".. اليونان مأسلمتش على إيدين العثمانيين.. ولا أوكرانيا ولا بلغاريا ولا أي مكان طالته أيديهم.. على العكس الدول دي من معاملة العثمانيين وظلمهم نفروا من الإسلام تمامًا.. ومعظمهم كارهينه إلى يومنا هذا.. هدف العثمانيين في حروبهم كان ثروات الشعوب.. وكانوا زي الجراد.. يحط على الحقل الأخضر فيرحل عنه وهو هشيم تذروه الرياح.
في 300 سنة قعدوا فيها في مصر.. متلاقيش مثلا في الإسكندرية اثر عثماني واحد.. مفيش في القاهرة قلعة مثلا بنوها.. مدرسة.. منطقة للحرفيين.. أي حاجة.. مفيش.. فقط على مدار 300 سنة بنوا 3 جوامع صغيرة.. زي "جامع سنان باشا" في بولاق وجامع "صفية" في "شارع محمد علي".. بمعدل "كل قرن جامع".. لأنهم كانوا جايين ينشروا الإسلام طبعًا أكيد.
"بن إياس الحنفي"، المؤرخ الكبير، قال فيهم: "ما كنت أحسب أن يمتد بى زمنى ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل"...!
المهم إن اليونان كانت زينا كدا.. محتلة من العثمانيين وجرفوها من صناعها وحرفييها وعقولها.. وأهلها عانوا من "دولة الأوغاد والسفل" العثمانيين كتير جدًا.. فبدأوا يعملوا ثورة.
السلطان "محمود" أرسل الجيش العثماني لقمع ثورة اليونان.. ومحاولة السيطرة عليها، فاليونانيين هزموه وحاصروا أسطوله في ميناء كورون. فملاقاش حل غير أنه يستنجد بـ"محمد علي".. ويطلب منه مساعدته في الفكاك من المستنقع اليوناني. لو أتهزم "محمد علي" في اليونان.. يبقى زال خطره ويخفت قلق "محمود الثاني".. ولو انتصر.. يبقى يبحث عن حل آخر، يلجم به الجواد المصري الجامح.
والحقيقة إن "محمد علي" كان عايز أكبر قدر ممكن من الاحتكاك.. للجيش والأسطول المصريين.. فبيبعت ابنه "إبراهيم باشا" على رأس الأسطول، عشان يصطدم بالأسطول اليوناني في العام 1825.. ومكانش الأسطول اليوناني سهل ولا ضعيف، ودارت بين رحى الأمواج معركة هائلة، انتصر فيها الأسطول المصري، وحرر الأسطول العثماني المحاصر، ولامست حوافر جواد "إبراهيم باشا" شواطيء اليونان للمرة الأولى، في العام نفسه.
وأمام ضربات الجيش المصري بتسقط المدن اليونانية واحدة تلو الأخرى، لحد ما بيفضل آخر معاقل الثوار، في مدينة "ميسولونجي" و"نويلي" و"هيدرا" .. وبيستعد "إبراهيم" باشا لاقتحامهم بالفعل.. لولا أنه أثناء حربه.. ومع هزيمة الجيش.. مابتمتلكش اليونان إلا سلاح القلم، فبينطلق مئات الشعراء والأدباء والفنانين من أبنائها.. بمنشورات حماسية وخطب وقصائد خلبت لب الناس، واثارت الرأي العام في أوروبا.. فضغطت الشعوب على قياداتها، ولأول مرة في ذلك العام، اجتمعت بريطانيا وروسيا للتشاور بشأن المسألة اليونانية.. وتمخض الاجتماع عن اتفاقية "سان بطرسبرج".. بين روسيا وإنجلترا.. ولاحقًا كمان فرنسا.. وبموجبها يجب عليهم الضغط على العثمانيين لمنح اليونان قدر من الحكم الذاتي والاستقلالية.
وبتتجه الفرقاطة الإنجليزية "دارتموث" تمزق صفحة البحر المتوسط، متجهة إلى "إبراهيم باشا"، وبيعرض عليه قائدها "الأدميرال كودرنتون Admiral Sir Edward Codrington " اللي وصلت إليه أوروبا والاتفاقية ومقترحات إخلاء الخليج.. لكن "إبراهيم باشا" بيرفض المقترحات الأوروبية تمامًا.. وبيطلب منهم الرجوع إلى والده "محمد علي".
وبالفعل بيتحرك قناصل الدول للقاء "محمد علي".. الحركة دي أغاظت "محمود الثاني" في شدة، وخلته يقرر التخلص من "محمد علي" مهما كان الثمن.. أوروبا مش عاملة حساب للباب العالي.. وبتتفاوض مع "محمد علي" مباشرة.
وأثناء المفاوضات و المباحثات الدائرة، "إبراهيم" باشا بيقتحم "ميسولونجي".. وبتسقط في قبضة القوات المصرية.. وبيمنح "محمد علي".. نقطة تفوق جديدة، على مائدة التفاوض.
واثناء رسو الأساطيل المصرية والعثمانية والجزائرية، في مواجهة الاساطيل الاوروبية على ساحل اليونان.. وبدون اي مبرر أو فائدة.. بيفتح قائد الأسطول العثماني النار فجأة بلا سابق إنذار على الفرقاطة "دارتموث ".. وبيقتل "الملازم فيتزوري"، أول ضحية في المعركة، مع عدد من جنوده.. فبيأمر "الأدميرال كودرنتون" بإطلاق النار بدوره.. وبتفتح السفن الإنجليزية والروسية نيران مدفعيتها على الأساطيل المصرية والجزائرية والعثمانية.. وبتنشب معركة "نافارين البحرية".. في 20 أكتوبر، من العام 1827 .
الحركة العثمانية الغبية دي بتغرق الأسطول الجزائري تمامًا عن بكرة أبيه، رغم أنه كان من أقوى الأساطيل البحرية وقتها.. لكن المباغتة الإنجليزية ماديتش البحارة فرصة تدافع عن نفسها.
حركة تدمير الأسطول الجزائري دي حتكون السبب لاحقًا في إن الجزائر ماتقدرش تدفع عن نفسها الاحتلال الفرنسي، بلا أسطول.. ومعظم جنودها وابنائها المدربين قضوا نحبهم في المعركة. وحيدفع أبناء الجزائر ثمن قاسي.. لاستدعائهم للعثمانيين سنة 1516.
ايوه.. الجزائر هي اللي استدعتهم! الجزائر دي كان لها حكاية مع العثمانيين.. الحقيقة الجزائر هي الدولة الوحيدة.. اللي مدخلهاش العثمانيين بحرب.. اللي حصل إن المسلمين الفارين من بطش الإسبان في الأندلس هربوا للدولة العثمانية فطردتهم.. ففروا مع قافلة حجاج إلى الحجاز.. وهناك أول ما وصلوا التقوا بحجاج جزائريين.. وانبهروا بكرمهم وسماحتهم.. ولبوا دعوة الحجاج دول بأنهم يستضيفوهم في بلادهم الجزائر.. ولما وصلوا إلى هناك.. أهل الجزائر قابلوهم بالحسنى ومنحوهم بيوت وشاطروهم اللقمة والكساء ومنحوهم اللجوء.. فبدأت إسبانيا تهدد الجزائر وتطلب منها إعادة الهراطقة الهاربين دول.. فأرسل أمير الجزائر وقتها "الشيخ سالم التومي" إلى الدولة العثمانية طالبًا الدعم.
بتبعت له الدولة العثمانية الأخوين السفاحين "بارباروس".. ولما وصلوا إلى الجزائر، فتحت لهم أبوابها.. واستقبلهم الشيخ "سالم التومي" وسكان المدينة استقبال الفاتحين.. وعلى الفور.. نصب العثمانيين مدافعهم.. تجاه جزيرة صغيرة يسيطر عليها الإسبان، وبعثوا إلى قائد الحامية الإسبانية يأمرونه بالاستسلام، لكن القائد الإسباني رفض، فأطلقوا نيران مدفعيتهم على القوات الإسبانية، إلا أن مدى المدفعية مطالش الجزيرة من الأصل.. فمحصلش أي معركة ولا انتصار على الإسبان زي ما بيقرفونا ولا أي خزعبلات.. حتى الإسبان تحاشوا ساعتها الاصطدام بالعثمانيين أو الرد عليهم.. لأن "سليم" وقتها كان حليف لروسيا والمجر.. وبتنسحب إسبانيا لوحدها بعد فترة.
مع فشل المدفعية العثمانية في إخافة الإسبان.. سقطت هيبة الأتراك في أعين أهل الجزائر.. وبدأوا يتمللوا من وجودهم في الأيام التالية.. خصوصًا - والكلام للمؤرخ الجزائري د. محمد الميلي - إنهم كانو قوم غلاظ قساة.. عاملوا القوم اللي مستضيفينهم بفظاظة وغباء.. فبدأ أهل الجزائر يتمللوا من وجودهم ويرفضونه.. فبيرسل إليهم "الشيخ سالم" يخبرهم أن الجزائريين ضجوا من نهبهم وفظاظتهم وسوء أفعالهم.. وبيطلب منهم الرحيل.. لكن "خير الدين بارباروس" بيتوجه إلي قصر "الشيخ سالم".. ويقتحمه.. ويقتله في الحمام حيث وجده.. وبعدين بيخرج على الناس، ويعلن نفسه سلطان على الجزائر!
الباحث الجزائري " محمد بن مدور" المتخصص في التاريخ العثماني، بيقول صراحة "صحيح أن الجزائريين هم الذين طلبوا النجدة منهم في بداية الأمر ضد الإسبان، لكن الغريب أنهم بعد قليل من وصولهم.. قتلوا سلطان الجزائر! فما الذي يعنيه هذا؟ أهانوا السكان وظلموهم.. ثم حكموهم عنوة ونهبوهم.. إن كل الدلائل تؤكد على أن الوجود العثماني في الجزائر كان احتلالًا".
دولة تانية مشافتش نور من أول ما العثمانيين حطوا رجليهم فيها.. واتدمرت آثارها واتخطف صناعها وعمالها وحرفييها واتجردت من عقولها واقلامها.. كل دا اتشحن على الآستانة.. وانتهت القصة بتدمير أسطولها بالكامل.. وبقى الطريق مفتوحًا أمام فرنسا عشان تغزوها بسهولة.
المهم نرجع لقصتنا.. فتحت الأساطيل الإنجليزية الروسية مدافعها على الأساطيل المصرية والعثمانية والجزائرية.. ولحسن الحظ أن الأسطول المصري مكانش هناك بالكامل.. كان موجود ست سفن وخمس زوارق هجومية خفيفة.. خسارة فادحة برضه.. بس مش زي الخسارة الجزائرية ولا العثمانية.. اللي فقدوا قوتهم البحرية بالكامل.
وهنا بيطلب السلطان العثماني "محمود الثاني" من "محمد علي".. إنه يدفع بباقي سفن الأسطول المصري، ويكمل حرب ضد روسيا وإنجلترا وفرنسا.. لكن "محمد علي" بيرفض تمامًا.. وبيقول له إن دي اسمها "مقامرة".. وهو مش حيقامر ببقية الأسطول والجيش.. في مغامرات غير محسوبة.. خصوصًا مع غباء القادة العثمانيين.. اللي اتسببوا في معركة بدون أي مبرر.. وبيصدر أوامر لابنه "إبراهيم باشا" بالانسحاب من اليونان.
كان جبار برضه "محمد علي باشا".. بعدما رفض أمر السلطان العثماني.. بعت له يطلب منه تعويضه عن السفن اللي فقدها بأنه يمنحه حكم قطعة من أراضي اليونان.. وكان "محمد علي" بيطمح في عمل قاعدة عسكرية هناك.. تتيح له حرية الحركة في أوروبا.. لمجابهة أي تهديد أوروبي بتهديد مصري مماثل... فمنحه السلطان "جزيرة كريت" وهو يكاد ينفجر من الغيظ. موضوع "كريت" دا مكانش لطيف ولا مريح لـ"محمد علي".. لأن أهل "كريت" عاملين زي الصعايدة عندنا.. دماغهم ناشف ومابيخضعوش لحد، وصعب تسيطر عليهم.. فمش حينفع يعمل قاعدة هناك زي ما كان بيأمل...
بيجمع "محمد علي باشا" شتات نفسه.. وبيعيد ترتيب صفوفه.. وبيقرر قائد الجيش "إبراهيم باشا"، لأول مرة، سن نظلم "التجنيد الإجباري".. وبيبدأ في تجنيد المدنيين من ابناء العمال والصيادين والفلاحين، في سن معينة.. للالتحاق بالجيش.. بينما بيقرر والده، إعادة بناء ما فقد من سفن الأسطول.. وزيادة قوته وقدرته.. وعلى أثر ذلك، بيطلب من والي دمشق تزويده بالأخشاب اللازمة، لبناء السفن.
لكن والي دمشق لما بيستأذن السلطان العثماني "محمود الثاني".. بيرفض تمامًا.. وبيأمره يبلغ "محمد علي" أنه رفض. كان "محمود" بدأ يخشى "محمد علي" وقوته.. وقرر أنه يضعفه ويتخلص منه زي ما قلنا.
وكان والي دمشق دا زمان كانت حصلت بينه وبين السلطان العثماني أزمة عنيفة.. وكاد أنه يتهم بالخيانة ويعزل ويعدم.. لولا تدخل "محمد علي" وأصلح ما بينهما.. فلما رفض يبعت الخشب.. غضب "محمد علي".. وبعت له يفكره بالذي مضى.. وحصل بينهم تراشق متبادل، وصل إلى علم الناس العاديين، في كلا من مصر والشام.. وبدأ "محمد علي" يفكر في الزحف إلى الشام.
الحقيقة القصة مكانتش قصة خشب.. التاريخ حفظ لنا رغبة "محمد علي".. في تحرير البلاد العربية، وإنقاذها من اية حكم قمعي إرهابي ظالم.. في رسائل مكتوبة، بينه وبين "إبراهيم باشا"، لما كان الأخير في ميدان القتال.
بيبحث "محمد علي" عن ذريعة أقوى.. يتخذها مبرر للزحف على الشام.. غير قصة الخشب دي.. وما بيطولش تفكير "محمد علي" كثيرًا لأن ابنه "إبراهيم باشا" بيدلف إليه في قصره ذات يوم.. وبيقدم له المبرر، على طبق من ذهب.
لكن المبرر اللي "محمد علي" استخدمه عشان يحرر الأرض من الدولة العثمانية ويستقل عنها بالكامل، الحديث عنه يطول.. فنأجل القصة دي إلى وقت لاحق بإذن الله.
ويبقى للحديث بقية.
-----------------
- المنشورات السابقة أول تعليق
- الصورة لوحة زيتية لمعركة نافارين البحرية.
-----------------
#الخلافة_العثمانية 35