قبيل تولي "سليم الأول".. كانت نشأت الدولة الصفوية الشيعية في "إيران" حسبما نعرفها النهاردة.. وكانت علاقتها بالعثمانيين لطيفة في بدايتها.. وبعدين أصبحت متوترة.. لأن الشاه "إسماعيل الصفوي" كان توسعي زيهم.. وقضى على دولة "آق قويونلو" أو "الخروف الأبيض" - اللي منها أردوغان النهاردة - ودي كانت آخر حاجز بين الصفويين والعثمانيين.
وقبل تولي "سليم".. قمع عدة ثورات كقائد لجيش العثمانيين.. أشعلها الصفويين في الأناضول.. ومع تولي "سليم" للعرش.. "اسماعيل الصفوي" مبعتلوش تهنئة ولا رسالة.. فأيقن "سليم" أن الشاه "إسماعيل" ضده ومش حيكون صديق ولا حليف.
بمجرد جلوس "سليم" على العرش.. قر أخوه "أحمد" يعلن نفسه سلطان - كالعادة - واعترفت به أنقرة وبورصة.. فانطلق عشان يقتل أخوه "أحمد".. لكن "أحمد" عرف بقدوم "سليم" عن طريق الوزير "مصطفى باشا".. فهرب.. وقبض "سليم" بداله على "مصطفى باشا".. وأمر بحرقه حيًا.
بعدها انطلق إلى بورصة.. ولقى هناك مجموعة من ولاد إخواته.. فذبحهم جميعًا.. وبعدين لقى أخوه "قرقود" مستخبي في الجبل.. فقبض عليه وفقأ عينيه.. وبعدين دفنه حي.
كده مافضلش إلا "أحمد".. إللي كون جيش صغير من أتباعه.. وانطلق يحارب "سليم".. ويبدو أن ربنا كان بيحبه "أحمد" ده.. لأنه مات في المعركة برصاصة.. ودا أحزن "سليم" جدًا.. لأنه كان نفسه يمسكه حي.. عشان يقتله بطريقة سادية مروعة.. كان سادي مختل مابيضحكش أبدًا.. وكان المؤرخين في عصره مسميينه "سليم العابس" و"سليم السفاح".
الحقيقة بسبب قانون قتل الإخوة اللي ابتدعه "محمد الفاتح".. حيوصلوا لمرحلة بعد جيل من الفترة اللي بنحكي فيها دي.. ويلاقوا أن سلالة "آل عثمان" قربت تنقرض.. فحتظهر ست اسمها "السلطانة صفية".. تخترع فكرة كابوسية جديدة بدل القتل.. حنتكلم عنها في حينه.
"سليم" بعدها استتب له الملك.. فعمل معاهدات وهدنة طويلة مع أوروبا.. وقرر يتفرغ للصفويين.. الصفويين بعتوا للمماليك في مصر طالبين الدعم والتحالف ضد العثمانيين.. والعثمانيين بعتوا للمماليك في مصر طالبين نفس الشيء.. لكن بعد وفاة "قايتباي".. السلطان العادل "طومان باي".. ومن بعده السلطان الأشرف "قنصوة الغوري".. فضّلوا الوقوف علي الحياد.. وولا اتحالفوا مع العثمانيين ولا الصفويين.
بعد رسايل كلها شتيمة وقلة أدب وخوض في الأعراض.. بين "سليم" والشاه إسماعيل".. بيقول له الشاه.. أنه قرر يدفنه في صحراء "ياس جمن" على مقربة من سهل چالديران.. وعليه.. بيتحرك الجيش العثماني بقيادة "سليم" في أول يونيو من العام 1514.. وبيعسكر هناك في انتظار قوات الصفويين.
بس الصفويين مبيجوش أبدًا.. وفي 20 أغسطس بيوصل لـ"سليم" معلومات أن الشاه جابه هنا ولطعه وخلاص.. ومستني الشتا ييجي.. والصقيع يقضي علي قوات "سليم" لوحده!
هنا بيهجم "سليم".. وبتدور بين الطرفين "معركة جالديران".. وبينتصر فيها العثمانيين ويفر "الشاه إسماعيل".. وبيدخل "سليم" عاصمة الشاه "تبريز".. ويستولي على كنوز الشاه وخزائنه.. ويشحنها إلى القسطنطينية.. وبيأمر بسلخ جماجم القتلى وتنظيفها من اللحم.. وبناء هرم صغير من تلك الجماجم.. في منتصف ميدان القتال.. وبعدين بيقبض على العمال والصناع وآلاف الجواري ويشحنهم إلى القسطنطينية.. وبعدها.. بيأمر رجاله بالمرح.. فبيقتلوا حوالي 40 ألف مدني.. بطرق مبتكرة.. بين الشنق والحرق والخازوق والدفن حيًا.
وكان "سليم" في حربه مع الصفويين كان طلب دعم "علاء الدولة" أمير "ذي القدر" التركمانية.. لكن "علاء" رفض.. لأنه كان معترف بسيادة المماليك مش العثمانيين.. فبيروح "سليم" يحارب "علاء الدولة".. وبيهزمه.. وبيسقط الأخير صريعًا في المعركة.. وبسقوط "ذي القدر".. مبيبقاش في اي دولة فاصلة بين المماليك والدولة العثمانية.
وهنا.. الصفويين بيطلبوا من المماليك التوسط من أجل السلام مع العثمانيين.. فبيبعت "قنصوة الغوري" رسول إلى العثمانيين.. يحاسبه على تدمير "ذي القدر" ويبلغه برغبة الصفويين في السلام.. لكن "سليم" بيهين الرسول ويطرده.. ودا في العصور دي كان يعتبر إعلان حرب.
والحقيقة أن "سليم" كان بيدور على أي مبرر للحرب.. لأنه لو سيطر على مصر يسيطر على الشرق كله.. ويتحكم في طرق التجارة.. ويحتل شبه الجزيرة بالكامل.. ومكانش عارف يهاجم المماليك بأي حجة.. دول مش شيعة بقى.. دول سُنّة.. ومهاجموش العثمانيين ولا هددوهم.. فعمل موضوع رسول "الغوري" حجة.. تقول إن المماليك بيدعموا الشيعة الصفوية.. وعليه طرد الرسول وأهانه.. وزي ما قلنا دا تصرف كان بيعتبر إعلان حرب.
بناء على تصرف "سليم".. بيتحرك "قنصوة الغوري" من القاهرة إلى الشام.. مستعد لهجوم العثمانيين.. وبيجيب قادة المماليك هناك.. وكانوا 6.. الأمراء السوريين "سيباي" حاكم" دمشق ومساعده "سعدون العجمي" و"جان بردي الغزالي" واللبنانيين "فخر الدين المعني الأوّل" و"جمال الدين الأرسلاني".. والمملوك الروسي الأصل "خاير بك الشركسي" والي حلب.. كل قائد من دول معاه جيشه من المماليك اللي كان بيحمي به مدينته.. مستعد للقتال وجاهز للمعركة.
بتوصل الأخبار لـ"سليم الأول".. فبيبعت رسله إل "قنصوة الغوري".. يطلب منه الاعتراف بسيادة الدولة العثمانية على القطر المصري وبلاد الشام، ودفع جزية سنوية.. لكن "قنصوة الغوري" بيهين الرسل العثمانية زي ما عمل "سليم" بالضبط.. ويطردهم شر طردة.
وهنا بيجتمع "سليم" مع قادته.. وبيقرر الهجوم.. فبيتحرك بجيشه في الطريق إلى الشام.. سوريا الطبيعية.. وهو في نيته يحتلها.. وبعدها يتوجه إلى القاهرة.
وفي 8 أغسطس، من العام 1516 ميلادية.. الموافق 25 رجب سنة 922 هـجرية.. وفي وادي اسمه "مرج دابق" قرب حلب.. بيقف الجيشان وجهًا لوجه.. عشان يبدأوا معركة رهيبة حاسمة.. المعركة اللي حتقرر مصير سوريا كلها ومن بعدها مصر ودولة المماليك.. اللي حكمت الأرض دي أكتر من قرنين من الزمان.. وكان جيش العثمانيين قرابة الـ100 ألف جندي.. والمماليك حوالي 50 ألف.. من ضمنهم القوة اللي جاء بها "الغوري" من القاهرة.. وقوامها 10 آلاف مقاتل.. وكان بيقودها بنفسه.
التاريخ حفظ لنا المعركة دي باسم "معركة مرج دابق".. وبدأتها القوات القادمة من القاهرة.. بقيادة "الغوري" مع قوات دمشق، بقيادة الأمير السوري "سيباي" حاكم دمشق.. وهجمت على القوات العثمانية المجهزة جيدًا... بينما بقت قوات "جان بردي الغزالي" و"فخر الدين المعني الأوّل" و"جمال الدين الأرسلاني".. و"خاير بك الشركسي".. في انتظار إشارة الهجوم.
والعجيب أن المماليك كان لهم رهبة في قلوب العثمانيين.. لأن هجمة "الغوري" و"سيباي" اللي استمرت قرابة الساعتين.. فككت التشكيلات العثمانية.. وعملت وسطهم ارتباك هائل.. وأنزلت بهم خسائر فادحة.. وأسر المماليك عدد من بطاريات المدفعية العثمانية.. لدرجة أن "سليم" أمر قواده بالتقهقر.. وتراجع.. وكاد يطلب الأمان.
وهنا.. أشار السلطان "قنصوة الغوري" إلى "جان بردي الغزالي" بالتقدم.. وكان قائد الميسرة.. وأطلق "سيباي" إشارة التقدم إلى "خاير بك".. من الميمنة.. بهدف تطويق العثمانيين.
ولكن فجأة حصل شيء غريب وتطور مفاجيء لم يكن في الحسبان.
والتطور المباغت دا يطول الحديث عنه، فنكمل كلامنا لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
----------
المنشورات السابقة أول تعليق.
الصورة لمجموعة الغوري.. بشارع المعز - القاهرة.
----------
#الخلافة_العثمانية 19